تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأصول — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
تكونان طوليّتين ، فكيف يعقل أن يتّحد متعلّقهما ؟ بل كلّ إرادة ومراد يكون كذلك بمعنى ، فإنّ ما يتعلّق بالإرادة أوّلا ليس إلّا الصور الذهنيّة الحاكية عن الخارج ، وهي الوجودات السرابيّة وليس لها ما بإزاء في الخارج - أي لهذه الإرادة - بل ما يكون لها ما بإزاء إنّما هي الإرادة المتعلّقة بالعمل الّذي هو ظرف السقوط وموطن تحقّق المراد ، وإن كنت منكرا فارجع إلى وجدانك ! فإنّك إذا حلّلت مرادك في مثل إرادة شرب الماء تقول : قطعت بالماء فشربت . فلا خفاء ، أنّ فيه - كما في كلّ ما تعلّقت به الإرادة تكوينا أو تشريعا - تكون صورتان : إحداهما الصورة الّتي يتعقّلها أوّلا ويرى فيها المصلحة أو المفسدة الّتي هي تصير علّة لإرادة العمل ، وهذه الصورة إنّما هي تكون تحت الحكم ومتعلّقة للطلب وحبّ المولى وبغضه ، والثانية هي الّتي توجد بعد إرادة العمل وتتوجّه النفس إليها ، وهذه رتبتها تكون بعد الحكم ؛ لأنّه بعد تصوّر الشيء الخارجي وتروّي النفس المصلحة والمفسدة الّتي تكون فيه ، فتتوجّه النفس بحكم الشارع على هذا الموضوع ، ثمّ يريد المكلّف موافقته أو مخالفته . ففي المقام لمّا يريد مخالفته فلمّا تتوجه النفس إلى الصورة الثانية وتريد إيجادها ، فتصف الصورة بعنوان الهتك والطغيان ، فيتحقّق فيها ملاك النهي والمبغوضيّة فيتّصف بالحرمة العقليّة ، وينطبق عليه عنوان التجرّي وإن لم تكن هذه الصورة بخصوصها متوجّهة إليها ، بل التوجّه إليها إنّما هو مرآتيّ محض ، ولكن بعد تأخّر رتبتها ذاتا عن الصورة الأولى واتّصافها بعنوان آخر غير العنوان الأوّلي لنفس الذّات ، فالتباين بين الصورتين وجودا ، الّذي هو يكفي في صحّة عروض الحكمين المختلفين على ذات واحدة ، فلا يحتاج إلى كونها متوجّها إليها