إلّا مع إرسال الرسل وبيان التكليف المساوق ذلك لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، فحينئذ تخصّص هذه الأدلّة تلك العمومات بما يثبت فيه البيان عقلا أو نقلا ، فيدور أمر هذه الموارد - أي الشبهات البدويّة الّتي لم يثبت البيان لها من الخارج - بين أن يكون من مصاديق أخبار التهلكة أو الأدلّة المخصّصة ، فكيف يمكن إدخالها في الأولى مع البناء على عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ؟
نعم ؛ لو كان المخصّص لبيّا - وهو في المقام حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان - ولم تكن الأدلّة اللفظيّة مثل قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 1 » ونحوه ، يتمّ ما ذكر ، ولكن سيظهر لك عند بيان أدلة المجتهدين دلالة جملة منها على ذلك .
ومع الغضّ عن ذلك وتسليم ما ذكر ، إمّا من باب البناء على جواز التمسك بالعامّ في الشبهات المصداقيّة مطلقا ، أو القول بأنّ المخصّص هنا لبّي فنقول :
تكون غاية مدلول هذه الأخبار العقاب على الواقع المجهول ، فيتعارض مع ما عرفت من أدلّة البراءة على عدم العقاب عليه ما لم يكن هنا بيان لو قلنا بكون المراد به ما يطلق عليه البيان لا إتمام الحجّة ، كما هو التحقيق ، فإذا تعارضا فلا تجري فيه الأخبار العلاجيّة ؛ لأنّ المرجّحات لا تجري هنا ؛ إذ منها المخالفة للعامّة .
وأيضا ؛ لا يجري الجمع هنا برفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر من حمل أخبار التهلكة على استحباب التوقّف ؛ لكون أدلّة البراءة نصّا في الإباحة ؛ إذ لا معنى لاستحباب الوقوف عند التهلكة ، وكذلك لا موقع للتخيير في ارتكاب ما
هامش
( 1 ) الإسراء ( 17 ) : 15 .