وبالجملة ؛ فإن التزمنا بكون لفظ « الإنذار » مشتملا على عناية زائدة على الإخبار فبهذه المقايسة لا يرتفع الإشكال ، كما لا يخفى ، فما ذكر لا يدفع الإيراد المذكور .
فما يمكن دفع الإيراد به هو ما نشير إليه بعد ذكر مقدّمة ، وهي : أنّه لا إشكال في أنّ في كلّ من الإخبار والإفتاء جهة حكاية عن الواقع وحكاية عن الاعتقاد ، فإنّ المفتي معتقد بما يفتي ، وكذلك المخبر لمّا كان عالما بما يخبر به فمعتقد به ، إلّا أنّ الفرق بينهما إنّما هو في أنّ المفتي بإفتائه يخبر عن اعتقاده أوّلا ، ثمّ يكون اعتقاده طريقا إلى الواقع ، بخلاف المخبر ، فإنّه من أوّل الأمر مخبر وحاك عن الواقع « 1 » .
ثمّ لازم ذلك إنّما هو إخباره عن اعتقاده ، فالإفتاء والإخبار في هذه الجهة متعاكسان ، فإذا فرضنا أن يصير كلّ منهما منذرا ، فيكون لكلّ منهما حيثيّتان للإنذار ، من جهة عن اعتقاده ، ومن جهة عن الواقع ، ففي هذه الجهة وهي كون كلّ منهما محذّرا ، ويمكن أن يصيرا منذرين بحيث لا تتوقّف الإخافة على كون مستندها أوّلا وبالذات هو العلم والاعتقاد ، بل تتحقّق الإخافة وتجوز ، ولو كان منشأها الحكاية ، إلّا أنّه يرجع عن الاعتقاد بالأخرة .
إذا عرفت ذلك ؛ فنقول : إنّ الإنذار لو كان مستنده العلم والاعتقاد وإن لم يكن حجّة على غير المقلّدين والمسترشدين ، وكذلك الإخبار أيضا لأنّه لا ينافي ذلك في الإخبار أن يكون التخوّف عنه من حيث إراءته عن الواقع واجبا على
هامش
( 1 ) فالإفتاء سراج على السراج وهو رأي المجتهد الحاكي عن الواقع ، والإخبار سراج عن الواقع أوّلا ، ونعم ما أفاد - دام ظلّه - في التمثيل ؛ « منه رحمه اللّه » .