فانقدح ممّا ذكرنا أنّه لا مدخليّة في كون المدرك أحكاما واقعيّة حصول العلم بها ، بحيث لو لم يتّصف الإدراك بالعلم لا يصدق على المدرك كونه حكما واقعيّا ، والاحتمال لا يضرّ في الحكم بكون الصور أحكاما واقعيّة بعد الفراغ من عدم كون المراد منه الواقع النفس الأمري الثابت في اللوح المحفوظ .
ضرورة أنّه لا إشكال في أنّه عند حصول العلم بهذه الصور يطلق عليها الأحكام الواقعيّة ، مع أنّه ربّما يكون العالم جاهلا مركّبا .
ثمّ إنّه لا يخفى أنّ المنذر لا يجوز له الإنذار إلّا بما علم كونه أحكاما شرعيّة ، وإلّا فيكون مفتريا ، فحرام عليه الإخبار والإنذار .
إذا تمّت هذه المقدّمة ، فنقول : إنّ ما أفاده قدّس سرّه من أنّ الحذر إنّما يجب في الأحكام الواقعيّة الموقوف إدراكها وتحصيلها على العلم ، لا أصل لهذا الكلام ، بعد أن عرفت أنّ المراد من الحذر ليس العمل وطلب الخوف حقيقة ، بل إنّما المراد منه إبداع الاحتمال وإظهار أنّ قول المنذر يكون في معرض احتمال الواقع .
وقد عرفت أنّ إدراك الواقع ليس متوقّفا على العلم ، فما يدركه المنذر من الأحكام الواقعيّة بالتفقّه علم ، فكما أنّ تلك الأحكام تكون له أحكاما واقعيّة ، فكذلك بالنسبة إلى المنذر أحكام واقعيّة ، إذ قلنا بأنّه لا يجوز له الإنذار إلّا عن الصور المدركة على طريق القطع .
فكما أنّه يرى تلك الصور واقعيّة ، فكذلك المنذرين ، إلّا أنّ المتفقّه يراها أحكاما واقعيّة قطعيّة ، وهم يرونها واقعيّة محتملة .
وقد عرفت أنّ الاحتمال لا يضرّ بكون المدرك صورا واقعيّة ، مع أنّ أصل تأسيس الحكم المستفاد من الآية إنّما كان لإبداع الاحتمال .
الأصول — صفحة 245
مساهمون: الميرزا أبو الفضل النجم آبادي
ص٢٤٥