وبالجملة ؛ أنّ هذه الجملات الثلاث ، وهي قوله تعالى :
لِيَتَفَقَّهُوا
و
لِيُنْذِرُوا
و
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
إنّما هي في مساق واحد ، ولا يجوز التفكيك بينها بعد كون كلّ واحد منها علّة للآخر ، فالنفر ؛ يجب للتفقّه ، والتفقّه ؛ يجب للإنذار ، والإنذار ؛ يجب للحذر ، فيجب الإنذار بما يتفقّه ، ويجب الحذر والقبول عمّا ينذر وما يخبر ، وقد تحقّق أنّه لا تنافي بين ذلك و [ بين ] كون إبداع احتمال الحذر عن الواقع ومطلوبيّة الحذر عن الواقع .
نعم ؛ لو كان المراد من تمنّي الحذر العمل ووجوب الخوف ؛ هذا الإيراد وارد ، ضرورة أنّ الخوف حقيقة موقوف على تحصيل الواقع المعلوم ، ومن قول الغير ما لم يحصل العلم لم يتحقّق الخوف ، ولمّا كان مبنى كلام شيخنا ذلك فإشكالنا مبنائي .
أقول : ولكنّه بعد لا يخلو ما أفاده - مد ظلّه - عن التأمّل ، لأنّ الحذر لو سلّم كان متعلّقه هو الواقع ، فإنّما ينصرف إلى الواقع المعلوم حتّى يصير واقعا عند المتحذّر حقيقة ، كما يكون كذلك عند المنذر ، والواقع المقطوع عند المنذر الّذي هو محتمل كونه واقعا عند المتحذّر ليس بالنسبة إليه إلّا ظاهريّا ، لأنّ معتقد الغير لا يصير بالنسبة إلى الإنسان واقعا ، فتدبّر !
وأمّا الثالث منها ؛ وهو أنّه بعد تسليم كون التخوّف واجبا أعمّ من أن يحصل العلم بقول المنذر أم لا ، ولكنّه ليس التخوّف عن مطلق الإخبار واجبا ، وإنّما الواجب الحذر عن الإخبار المشتمل على الإخافة ، كما هو ظاهر لفظ « الإنذار » .
ولا ريب أنّ الإخبار كذلك إنّما هو الإخبار المستند إلى الاجتهاد وإعمال الفهم ، فيختصّ الحذر عن مثل هذه الأخبار بما إذا كان المتحذّر ملتزما بما يفهمه المنذر ،