نعم ؛ بناء على القول بكون الغصب هو إشغال المحلّ - لا الكون المطلق حتى يكون من مقولة الفعل ، بل هو من مقولة الأين ، وترك الغصب أيضا يصير إفراغا له - تتصوّر المقدّميّة ، لأنّه يصير كيفيّة حاصلة بعد الحركة تقريبا ، بحيث يمكن أن يقال : تحرّك فاشغل ! أو تحرّك فأفرغ ! فالعقل يرى تخلّل « الفاء » بينهما ، فيتوقّف كلّ منهما على عدم الآخر ، وهذا يكفي في المقدّميّة ، فإنّ وجود كلّ منهما يمنع الآخر ، فعدمه يكون جزءا للعلّة .
إذا عرفت ما ذكرنا في المثال المذكور ؛ فإذا كان في وسط المكان بحيث يطول خلوصه عن الغصب إلى ساعة ، ففيه أيضا لا يكون مقدميّة ؛ لأنّه هنا أمره يدور بين أن يتوقّف كثيرا فيه ، أي أكثر من ساعة ، أو يرتكب أقلّه فيخلّص نفسه عن ارتكاب الكثير بارتكاب الساعة .
ولا ريب أنّ العقل يرشده إلى ارتكاب القليل ، فيتحقّق أيضا مضادّة بين هذين الأمرين ولا تكون علّية ومقدّميّة لارتكاب القليل لترك الكثير ، بل يوجد أحدهما عند عدم الآخر ، وكلاهما معلولان لعلّة ثالثة ، ولذلك تتوهّم المقدّميّة ، كما توهّم ذلك في جميع الضدّين اللذين لا ثالث لهما ، وإبطاله واضح للزوم الدور .
وكذلك لا يكون ارتكاب القليل مقدّمة وعلّة للخروج عن الغصب أيضا ، لأنّك عرفت أنّ الخروج والتخلّص يتحقّق بعد رفع الكون الآخر - أي آخر المسافة - وقد كان بينه والخروج مضادّة ، فلا تتحصّل مقدّميّة أصلا .
إذا تبيّن عدم مقدّميّة الخروج « 1 » للتخلّص فأقول : ملخّص ما استدلّ للقول
هامش
( 1 ) أي التمشّي لحصول الخروج عن الغصب ، « منه رحمه اللّه » .