في مسألة خروج المأمور به . . .
المرحلة الثانية : في تحقيق الحقّ في مسألة خروجه هل يكون مأمورا به فقط ، أو منهيّا عنه فقط ، أو كليهما ، أو مأمورا به مع إجراء حكم المعصية عليه ؟
قد تحقّق فيه هذه الأقوال ، ينبغي التكلّم أوّلا في مقدّميّته للتخلّص وعدمه ، فإنّ جملتها مبتنية عليها ، فأقول : نفرض الغصب بالنسبة إلى أوّل المكان الّذي يتحقّق بأوّل خطوة ووضع القدم ، بحيث لو رفع أوّل قدمه ليخرج عن مكان الغصب . من البديهة أنّه يتحقّق في هذا الفرض ثلاثة أمور : كون في محلّ الغصب ، وكون في الخارج ، وحركة بينهما الّتي يتحقّقان بها ، بالنظر البدوي يظهر أنّها تكون شيئا ثالثا غيرهما ، لأنّها هي الّتي يتوصّل بها إلى المحلّ وخارجه ، فيوجد كلّ منهما بعدها ، ولولاها لما يوجد أحدهما ، فهي غيرهما ، وتكون مقدّمة لهما ، ولكن بالتأمّل يظهر أنّها ليست إلّا نحوا من الكون المشتمل عليهما ، فإذا رفع قدمه عن محلّ الغصب الّذي يتحقّق جزء منها به ، فهو عين الكون الغصبي ، وإذا وضع قدمه في الخارج الّذي يتحقّق به جزؤها الآخر فهو عين الكون في الخارج ، كما هو شأن الموجودات التدريجيّة ، أي ينطبق في كلّ آن بوجود وكون خاصّ كالزمان ، فهي أيضا كذلك لا تكون شيئا آخر غير الأكوان ، فظهر أنّه لا يوجد في الفرض شيء ثالث نجعله مقدّمة ، فلمّا لم يكن شيئا ثالثا فلا ريب أنّه بين الكونين إنّما تكون المضادّة ، ولا يكون عدم أحد الضدّين متوقّفا على وجود الآخر ومعلولا له ، بل هما إنّما يكونان معلولين للعلّة الثالثة لا أن يكون أحدهما مقدّمة للآخر .