ولكن ما ذكرناه من التوجيه مناف لما سبق إلى بعض الأوهام من أنّ مرادهم من استعمال أهل اللسان أنّ استعمال أهل اللسان يكشف عن ترخيص الواضع ذلك النوع ، ويكشف لهم أخذهم وسماعهم من الواضع ، والواضع قد اعتبر هذه العلاقات بخصوصها ونصّ عليها كما نسبه التفتازاني إليهم مدّعيا عليه الوفاق « 1 » .
على أنّه لو فرضنا أنّ مرادهم ذلك ، فهذه دعوى مقطوع الفساد ، خصوصا على رأي من يزعم أنّ الواضع ليس الناس ، بل هو اللّه تعالى ؛ للقطع بأن ليس هناك نقل ينتهي إلى الواضع ولا ادّعاه أحد ، وإنّما القوم تصفّحوا كلمات العرب فوجدوهم يطلقون بعض الألفاظ على ما يناسب معانيها الأصليّة فعمدوا إلى تلك المناسبة فوجدوها في موضع مناسبة المشابهة ، وفي آخر السببيّة ، إلى غير ذلك ، فعبّروا عن كلّ باسم يخصّه ، وليس لهم إلّا مجرّد استعمالهم ، وهو لا يستلزم ما ادّعوه ، بل هو أقرب إلى ما ذكرنا وليس لهم مستند سواه .
مع أنّه لو كان الأمر كما ذكروا لما كان وجه للاختلاف في أنواع العلائق ؛ لأنّ هذا الاختلاف ليس اختلافا في الرواية عن الواضع ، بل من جهة التفات ببعض العلائق الّذي لم يلتفت إليه الآخر ، ولنقل اللغويّون أقلّ في مقام من المقامات أنّ الأمر الفلاني علاقة للتجوّز لأنّه أيضا راجع إلى الواضع ، ولكان مطّردا استعمال النوع الّذي تثبت الرخصة فيه في جميع جزئيّاته ، مع أنّه لم يطّرد من أنواع العلاقة إلّا المشابهة على الوجه المعتبر ، لأنّه بعد ما اعتبر إطلاق اسم السبب على المسبّب مثلا فغير معقول مدخليّة الموارد والجزئيّات في ذلك وتأثيرها في امتناعه .
هامش
( 1 ) لاحظ ! مختصر المعاني : 218 - 222 .