الثانية ؛ إنّ الحروف كلمات مستقلّة ، والهيئات ليست بكلمة ، وإنّما هي عوارض للكلمة .
ثمّ إنّ هنا فائدة نافعة متوقّفة عليها كثير من المطالب لا ضير في الإشارة إليها وإن كانت خارجة عن المرام ، لئلّا تخلو رسالتنا عنها ، وهي : إنّ الجمهور من العلماء - أي علماء العربيّة والأصول - ذكروا أنّ المجاز أيضا لا بدّ فيه من الوضع والترخيص ، ولكن نوعا لا آحاده ، كما نسب إلى قول لم يعرف قائله .
واستدلّ الجمهور بأنّ الأمر في باب الألفاظ توقيفيّ فلا يجوز التعدّي عن مقتضى ما ثبت من الواضع ، فاللازم الرجوع إليه في استعمال الألفاظ والمعاني .
ولكن ما يشاهد بالعيان ويعلم بالبرهان أنّ المجاز لا يحتاج إلى الترخيص والوضع لا نوعا ولا شخصا ، بل هو - أي استعمال اللفظ في غير ما وضع له من جهة مناسبة ذاتيّة واقعيّة - لا يحتاج إلى وضع الواضع وترخيص الجاعل ، بل إذا كانت تلك المناسبة موجودة يجوز الاستعمال ولو منع عنه الواضع ولم يرخّص الاستعمال ، رغما لأنفه ، ولو لم تكن موجودة لا يجوز الاستعمال ولو رخّص فيه وأذن صريحا .
فهذا يكشف كشفا قطعيّا عن أنّ ذلك ليس دائرا مدار إرادته وترخيصه وميله ، بل مداره واقعه وعلاقته ، كما ترى بالعيان أنّ والد « حاتم » وواضع لفظ « رستم » - مثلا - وكذلك الحال بالنسبة إلى الواضع الأوّل ، فإنّه لم يخطر ببالهما ولا طيف خيالهما حين الوضع صيرورة الولد ، والموسوم برستم جوادا وشجاعا حتّى يلتفت إلى الترخيص في استعمالهما في مطلق الجواد والشجاع ، بل لو التفت ومنع من ذلك لا يثمر منعه .
الأصول — صفحة 47
مساهمون: الميرزا أبو الفضل النجم آبادي
ص٤٧