القسم الحكم بعدم المانع لا يحتاج إلى أصل وغيره ، بل نفس الشكّ « 1 » في المزاحم يكفي لتنجّز الخطاب الآخر والحكم بعدم المانع ، فالإجزاء هنا مقتضى القاعدة عكس الأوّل ، لما أوضحنا سابقا من أنّ المانعيّة لمّا كانت ناشئة عن المزاحمة الّتي لا يعقل وجودها مع الجهل ، فحينئذ الوجود الواقعي لمثل هذا المانع متوقّف على العلم ، كما لا يخفى .
وأمّا في القسم المتوسّط وهو كمانعيّة الحرير والذهب للصلاة ، حيث إنّهما استفيدا عن النهي النفسي ؛ فقد حكموا فيه بما هو المتوسّط بين القسمين الأوّلين ، بأنّه لمّا كان المفروض أنّ المانعيّة قد نشأت عن النهي النفسي ، فحينئذ بالنسبة إلى الواقع هي تابعة للوجود الواقعي للنهي ، فكلّما ارتفع النهي واقعا فالمانعيّة أيضا ترتفع ، كما بالنسبة إلى الناسي والمضطرّ ، حيث إنّ الخطاب لمّا لم يكن لهما واقعا فالمانعيّة في الواقع أيضا مرتفعة .
وأمّا بالنسبة إلى حال الشكّ والجهل ؛ فالمانعيّة تابعة للوجود العلمي ، بمعنى أنّه لمّا كان - بمقتضى أصالة الحلّ أو البراءة عند الشكّ - الحرمة مرتفعة ، فالمانعيّة أيضا ترتفع ؛ لكون المفروض أنّها مسبّبة عنها ، ولكن معلوم كما أنّ الحكم في المسبّب - وهو الحرمة - مرتفع ما دام الواقع مستورا والجهل باقيا ،
هامش
( 1 ) ولكن لا بدّ من علاجه بأصل ونحوه ، حيث إنّ الضابط في باب الشكّ كليّا أنّه لمّا كان عنده يحتمل الأمران بأن يكون الواقع منجّزا أو معذورا فيه ، فما لم يعالج بأصل لا ينبغي المضيّ أصلا ، إذ لولا حكم العقل أو الشرع بالمعذوريّة فالواقع منجّز ، فلذلك لا بدّ من تحصيل المعذّر ، ففي المانع الناشئ عن التزاحم أيضا لا بدّ من رفع حكم الشكّ بالأصل ، كما بالنسبة إلى الموانع المستفادة من النواهي الإرشاديّة ، غايته أنّه بالنسبة إليها ، الأصل محرز وطريق إلى الواقع ، بخلاف باب التزاحم ، فللأصل فيه موضوعيّة ويحرز به عدم المانع واقعا ، لما أوضحنا أنّ المانعيّة الواقعيّة متوقّفة على العلم وتنجّز خطاب المزاحم ، فتأمّل ! « منه رحمه اللّه » .