وبعبارة أخرى : موضوع البحث ما إذا أمكن جعل الحكمين على نحو القضيّة الحقيقيّة واتّفق مزاحمتهما في قضيّة شخصيّة ، وفي صلاة واحدة كالمغرب - مثلا - يستحيل جعل حكمين ووجوب الجهر والإخفات كليهما ، لأنّ المصلحة النوعيّة إذا اقتضت جعل وجوب الجهر على كلّ مكلّف عالما كان أو جاهلا ، فلا يمكن أن تتمّ المصلحة النوعيّة لجعل الإخفات واجبا على الجاهل ، لأنّ التزاحم بين الجهر والإخفات في القراءة دائمي ، فيتعارض الحكمان ولا يمكن قياسه بتزاحم الغريقين .
وأمّا ثانيا : فكما أنّه لا شبهة في عدم إمكان الخطابين المترتّبين بين النقيضين ، فلا يصحّ أن يقال : افعل وإن لم تفعل فاترك ! وهكذا لا يصحّ أن يقال :
اترك وإن عصيت فافعل ! لأنّ عصيان الفعل عين حصول الترك ، وبالعكس فالترك بنفس عدم الفعل حاصل ، وهكذا الفعل بنفس عصيان الترك حاصل ، وطلب الشيء على تقدير حصوله طلب للحاصل ، فيستحيل صدوره عن الحكيم ، فكذلك لا يصحّ الخطاب الترتّبي بين الضدّين اللذين لا ثالث لهما ، كالحركة والسكون ، والجهر والإخفات ونحو ذلك ، لأنّ عصيان أحد الضدّين وإن لم يكن عين فعل الآخر إلّا أنّه ملازم معه دائما ، ولا ينفكّ عنه خارجا ، فيكون من طلب الشيء على تقدير حصوله ، فلا يصحّ أن يقال : اجهر في قراءة المغرب وإن عصيت فأخفت ! لأنّ المكلّف وإن أمكن له تركهما إلّا أنّ الجهر والإخفات لا يتوجّه إلى المكلّف ، بل إلى القارئ وهو لا يمكن له تركهما فترك الجهر ملازم دائما لثبوت الإخفات ، فيستحيل أن يتوجّه إليه الخطاب ب « أخفت » بعد عصيان خطاب الجهر .
الأصول — صفحة 245
مساهمون: الميرزا أبو الفضل النجم آبادي
ص٢٤٥