وهذا معنى كلام شيخنا الأنصاري قدّس سرّه في باب التعادل والتراجيح : لمّا كان امتثال التكليف بكلّ منهما كسائر التكاليف الشرعيّة مشروطا بالقدرة ، والمفروض أنّ كلّا منهما مقدور في حال ترك الآخر وغير مقدور مع ايجاد الآخر ، فكلّ منهما مع ترك الآخر مقدور يحرم تركه ويتعيّن فعله ، ومع إيجاد الآخر يجوز تركه ولا يعاقب عليه ، فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة أدلّة وجوب الامتثال والعمل بكلّ منهما بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة انتهى كلامه قدّس سرّه « 1 » في الباب ، وهو مناف لما ينكره في غير هذا الباب ؛ لأنّ مفاده في باب التعادل تقييد كلا الإطلاقين .
وعلى كلّ حال ؛ ففيما كان التزاحم اتّفاقيّا ولم تكن القدرة شرطا شرعيّا في واحد من المتزاحمين ، فحيث إنّ المحظورات تقدّر بقدرها فلا موجب لسقوط كلا الخطابين فيما لا أهميّة في البين ، ولا سقوط المهمّ فيما كان الآخر أهمّ ، بل المتعيّن تقييد الإطلاقين أو المهمّ ؛ لأنّ التقييد نتيجة اعتبار القدرة في متعلّق الخطاب ، فلا يحتاج إلى دليل خارجي يدلّ على التقييد ، إذ إمكان الترتّب عبارة أخرى عن أنّ الطلب ناشئ عن الإطلاقين لا عن الفعليّتين ، فتقييد الإطلاق يرفع المحذور .
ثمّ إن في باب المضيّقين يقيّد أصل خطاب المهمّ بعصيان الأهمّ ، وأمّا في باب مزاحمة الموسّع للمضيّق فيقيّد إطلاق الموسّع ، أي جواز إتيانه في أيّ زمان من الوقت ، وأمّا أصل خطابه فلا يزاحم المضيّق ، لأنّ الموسّع يزاحم المضيّق في زمان الامتثال وأمّا في غير هذا الزمان فلا مزاحمة أصلا .
هامش
( 1 ) فرائد الأصول : 4 / 36 .