لو كان شرط الفهم تجردها عن القرينة فلا يمكن فهم مجرد الطلب أيضا ولو كان فهمه من موارد خلت عنها فلعل المشهور فهموا منها أيضا الايجاب ولا بعد فتأمل ونحوه يرد عليه حيث ادعى تبادر العموم في صيغة مع شيوع التخصيص والمثل المعروف ومما يدل على كونها للايجاب احتجاج أهل البيت ع بأوامر الكتاب كثيرا عليه بل غيرهم ممن فيهم من كان فهمه حجة حكى السيد حمل الصحابة كل امر ورد في القرآن أو السنة على الوجوب وكان يناظر بعضهم بعضا في مسائل مختلفة ومتى أورد أحدهم على صاحبه امرا من الله سبحانه أو من رسوله ص لم يقل صاحبه هذا امر والامر يقتضى الندب أو الوقف بين الوجوب والندب بل اكتفوا في اللزوم والوجوب بالظاهر وهذا معلوم ضرورة من عاداتهم ومعلوم أيضا ان ذلك من شان التابعين لهم وتابعي التابعين فطال ما اختلفوا وتناظروا فلم يخرجوا عما مر ولو كان هذا بالنقل في الشرع لشاع وذاع حتى قرع الاسماع وتواتر مع أنه خلاف الأصل والظاهر وفيه الكفاية مع تأيده بنقل غيره الاجماع أيضا من محققي العامة والخاصة ومنه الآيات فمنها وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون حيث ذمهم على مجرد المخالفة ولا قائل بالفصل بين الامر من الركوع وغيره وأورد بمنع كون الذم على ترك المأمور به بل على تكذيب الرسل بشهادة ويل يومئذ للمكذبين أو عليهما معا أو على ترك الركوع تكذيبا أو مشاقة وباحتمال وجود القرينة والكل خلاف الظاهر مع أن الأخير مدفوع بالأصل ولا فرق بين كون تارك الركوع والمكذب واحدا أو لا فان الذم بالثاني لا ينافي الذم بالأول لكون الكفار عندنا مكلفا بالفروع وأضعف منها ايراد كون الآية من حكاية الأحوال والدور بان اثبات الوجوب بالذم على الترك والذم عليه لا يكون الا بعد الوجوب فان ترتب الذم على مجرد الترك يبطل الأول كما أن اختلاف الجهة بان اثبات العلم بالوجوب يتوقف على الذم دون اثبات نفس الوجوب بخلاف العكس يبطل الثاني ومنها ما منعك ان لا تسجد إذ أمرتك ولا سيما مع كون المراد من الامر اسجدوا في قوله تعالى إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجد الا إبليس فان الصيغة بنفسها قد عرفت كونها مصداقا للامر فالتوبيخ على ترك السجود بمخالفة الامر توبيخ على المخالفة في الصيغة مضافا إلى ما مر من كون المراد من الامر فيها الصيغة واما دلالتها على التوبيخ فلامتناع الاستفهام منه تعالى حقيقة فتعين حمله عليه وهو لا يجوز الا على ترك الواجب واختصاص الامر بمادة اسجد واحتمال كونه دالا على الوجوب في لغة الملائكة أو في عرفهم وان كان عربيا دون عرف عصر النبي ص أو في عرف الشارع أو بالقرينة كاحتمال كون التوبيخ للاستكبار مدفوع اما الأول فبعدم القول بالفصل كما مر في نظيره واما الثاني فبان ظاهر الحكاية لأهل لسان بلغتهم مراعاة أحوالهم في حقائقهم ومجازاتهم واما الثالث والرابع فباصالة عدم النقل واما الخامس فباصالة عدم القرينة واما السادس فبتعليق التوبيخ على الترك دون الاستكبار إلّا ان يقال الاستفهام لعله تقريرى والمقصود اعترافه بالاستكبار كما يشهد به جواب إبليس انا خير منه فان التوبيخ لا يناسب الجواب وقوله تعالى فما كان لك ان تتكبر فيها فأخرج وكذا فاستكبر وكان من
إشارات الأصول — صفحة 83
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٨٣