فيكفي فيها إرادة رفع ما يكون فيه الاغلال السابقة فلا ينافي النقل إلى الاثقل إذا كان فيه يسير بل يمكن ان يقال ليس في تكاليفنا ثقيل كيف ولا يخرج جميعها عما يتحملها غالب الخلق بعوض حقير كما لا يخفى ومنه يبين ما في الرابع فان إرادة التخفيف فرع وجود ثقل فإنه مع عدمه لا يصدق التخفيف وهو اما الاغلال السابقة كما هو الظاهر أو غيرها وعلى التقديرين لا ينافي النقل إلى الاثقل إذا كان أخف منهما ولولا ما مر فيهما فليخصا بما مر للجواز على أنه لولاه أمكن ان يقال تردد الامر فيهما بين المجاز والتخصيص بالنسبة إلى جميع التكاليف فالأول أولى وهو اليسر والتخفيف الاضافيان فلا اشكال وربما أجيب عنهما بانا لا نسلم عموم اليسر والعسر والتخفيف بل هي مطلقة ولو سلم فسياقهما يدل على إرادة ذلك في المال فالتخفيف هو تخفيف الحساب واليسر هو تكثير الثواب ولو سلم فإنه مجاز من باب تسمية الشيء باسم عاقبته مثل لدوا للموت وابنوا للخراب وفي الجميع نظر واما الأخيران فلا دلالة فيهما لظهور اختصاص الأول بالحرب والثاني بالشدائد السابقة على هذه الشريعة فيكون أعم لامكان النقل إلى اثقل يكون أخف من التكاليف السابقة ومع جميع ذلك لا يمنع غير الأول منها من الجواز العقلي بل لو تم يمنع عن الوقوع على أنه لا يمكن ان يقال فيها دلالة عليهما فان من الرفع في زمان خاص أو من اشخاص خاصة يفهم وقوعه قبل ذلك وعدم رفعه فيه مع عدم الفرق بين الابتدائي والثانوي ضرورة وللثالث عدم الوقوع ويرده نسخ التخيير بين الصوم والفداء لتعيين الصوم والحبس في البيوت بالضرب بالسياط والتغريب عن الوطن في حق البكر وبالرجم في حق الثيب ونسخ الكف عن القتال الثابت بقوله تعالى لكم دينكم وليّ دين بآية الجهاد وصوم عاشورا برمضان إلى غير ذلك ومما مر يبين جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس ونسخهما معا فضلا عن القطع به ووقوع الثاني بآية الصدقة قبل النجوى والعدة بالحول في الوفاة بل ورد في اخبار الفريقين انه كان في القرآن إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله فنسخ تلاوته دون حكمه بل في اخبارهم ان سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة فنسخ حكمها وتلاوتها خلافا لشاذ من المعتزلة استنادا إلى أن الحكم مع التلاوة ينزل منزلة العلم مع العالمية والمنطوق مع المفهوم فلا يمكن انفكاكهما وان بقاء التلاوة خاصة يوهم بقاء الحكم فيؤدى إلى الجهل وهو قبيح من الحكيم ويستلزم خلو القرآن عن الفائدة وان بقاء الحكم خاصة يشعر بزواله لان الآية ذريعة إلى معرفة الحكم فإذا نسخت اشعر ذلك بارتفاع الحكم وهو تعريض المكلف لاعتقاد الجهل وان هذا النسخ عبث حيث لم يلزم من ذلك اثبات حكم ولا رفعه والجواب عن الأول بمنع التساوي فان المفهوم من لوازم المنطوق وغير منفك عنه فان ما لا يلزمه ليس منطوقا له بل امر آخر مثلا لو استعمل الشرط فيما لا مفهوم له ليس ذلك المدلول مدلولا للشرط ولا منطوقا له بخلاف ما كنا فيه فان القرآن هو المتلو فلو قام الدليل على نسخ مدلوله بمعنى انه قام قرينة منفصلة على إرادة المدة الطويلة من التأبيد مثلا بعد برهة من الزمان لا يخرج المتلو عن القرآن ولا عن ذلك المتلو ولا الكلام عن ذلك الكلام فتلخص ان
إشارات الأصول — صفحة 534
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٥٣٤