العرب عاملوا انما معاملة النفي والا في فصل الضمير وأيضا حذف النفي بما ونفيه لغير ما دخلت عليه غير معهود بل حكى التفتازاني اجماع النحاة على أن ما لا تنفى الا ما دخلت عليه فالاضمار ليس أولى من جعل ما زائدة مع أن ماء النافية لها صدر الكلام على أن كلا يبطل بالآخر وعن علي بن عيسى الربعي جعل ماء النافية ظن من لا وقوف له بعلم النحو وربما يعتذر عنه بان ما ذكروه انما هو لبيان مناسبة تضمن معنى النفي والاثبات لا ان يريدوا ان كل واحد من الحرفين باق على معناه الأصلي ومثله يأتي فيما مر للأول وبذلك يمكن ان يرفع النزاع رأسا إذا عرفت ذلك فالأظهر كونها لحبس الحكم في المذكور فيستلزمه نفيه عما عداه للتبادر واجماع النحاة كما هو ظاهر ثلة منهم السكاكى والكاتبي والكاظمي وعن صريح أبى على الفارسي وتصويبه مع كونه من أعاظم علماء اللغة وللنقل عن أئمة اللغة والتفسير كما قاله التفتازاني وعن أهل اللغة كما عن الأزهري بل ظاهر الطريحي اتفاق أهل اللغة حيث قال لم نظفر بمخالف لذلك وهو ظاهر الجوهري والفيروزآبادي ولاستدلال العلماء قديما وحديثا بالنبوى انما الأعمال بالنيات عليه من غير نكير ولو قيل انما نشاء الحصر فيه من عموم الاعمال لتوقف صدقه على بطلان نقيضه قلنا كلا فان بناء استدلالهم على السلب الكلى لا الجزئي فليس الا بما قلنا ولولا الا الشهرة بين الأصوليين وعد بعضهم خلافه شاذا ونفى خلاف يعرف فيه من آخر بل واجد منها بل قول مثل الجوهري خاصة لكفى لما سمعت مرارا من الاكتفاء في مثله به واستدل بان ان للاثبات وما للنفي فبعد التركيب يجب ان يبقى كل منهما على معناه للأصل ولا يجوز ان يكونا لاثبات ما بعده ونفيه للتناقض بل يجب ان يكونا لاثبات ما بعده ونفى ما سواه أو على العكس والثاني باطل بالاجماع فتعين الأول وبقول الأعشى ولست بالأكثر منهم حصى وانما العزة للكاثر والفرزدق انا الزائد الحامي الزمار وانما يدافع عن أحسابهم انا أو مثلي ولا يتم مقصودهما الا بالحصر وبصحة انفصال الضمير معه في مثل قول الفرزدق المتقدم نظرا إلى انتفاء الوجوه الموجبة له سوى كون المعنى ما يدافع الا انا فإنه لو كان معناه يدافع انا لا يصح وبان ان لما كانت لتأكيد اثبات المسند للمسند اليه ثم اتصلت بها ما المؤكدة ضاعف تأكيدها فناسب ان تضمن معنى القصر لان قصر الصفة على الموصوف وبالعكس ليس الا تأكيدا للحكم على تأكيد ألا ترى انك متى قلت لمخاطب تردد في المجيء الواقع بين زيد وعمرو زيد جاء لا عمرو كيف يكون قولك جاء اثباتا للمجيء لزيد صريحا وقولك لا عمرو اثباتا ثانيا للمجيء له ضمنا ويرد على الأول ان صحة الاستناد به يتوقف على تركيب مدلول انما وقد عرفت بطلانه وأورد بالمنع من رجوع النفي إلى ما عدا المذكور لامكان توارد النفي والاثبات على الحكم المذكور إذا اختل شرط من شروط التناقض وبأنهما لو كانتا باقيتين على معنييهما الأصليين وجب ان يكون ان ناصبته كما كانت وليست اتفاقا ويرد الأول ان القضية كزيد قائم ذات نسبة واحدة فلو ورد النفي والاثبات فيها لزم التناقض لوحدتها وحدة نسبتها فلا يخرج الاحتمالات عن الثلاثة مع أنه لو سلمنا احتمال ورود النفي والاثبات كما ذكر قلنا هذا احتمال لم يقع في العرف وعادم النظير في اطلاق
إشارات الأصول — صفحة 496
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٤٩٦