تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إشارات الأصول — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
الظاهر أنهم يعتقدون وضع اللفظ للمعنى بوجدانه في اللغة مستعملا فيه وان عرض لهم التردد في ذلك بعد ظهور التعدد فان تعريف اللغات بطريق النص غير معهود بين أهل اللغة وانما يعرف اللغات غالبا باستعمال أربابها وبواسطة الترديد بالقرائن وبأنه لما ثبت ان الأصل في الاطلاق الحقيقة بمعنى وجوب حمل اللفظ على معناه الحقيقي مع انتفاء الصارف عن الإرادة ثبت الأصل بالمعنى الذي نريده هنا أيضا إذ المفروض ان اللفظ لم يستعمل الا في معنى واحد فإذا كان الأصل ان المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي لزم كون اللفظ حقيقة فيه قطعا وبان المعهود من أهل اللغة في بيان الوضع وتعريفه هو الاستعمال بطريق الترديد بالقرائن واما التصريح بالوضع فغير معهود منهم بل لا يكاد يتحقق ذلك الا في وضع الاعلام والعرفيات الخاصة وبان اللفظ لو لم يستعمل الا في معنى واحد كان المتبادر منه ذلك المعنى عند الاطلاق إذ ليس هناك معنى آخر حتى يسابقه في الفهم والتبادر دليل الحقيقة وفي الكل نظر اما في الأول فلمنع دلالة الاستعمال على الحقيقة فإنه طبيعة جنسية تعم الحقيقة والمجاز ولا يدل بنفسه على شيء منهما وبه اعترف جماعة من المحققين فلو قيل سلمنا ولكن يدل الاستعمال بشرط وحدة المستعمل فيه قلنا لا يبعد إلّا انه يحتمل ان يكون الظهور من اجل ندرة المجاز بلا حقيقة أو عدم وقوعه أو عدم امكانه مع أن تعليله أعم من أن يكون ظهوره من اجل ما ذكرناه أو ما ذكره ومن العجب الاستناد إلى المشاهد من أحوال الناس والمعروف من عاداتهم مع كون المتنازع فيه مما هو غير ثابت أو نادر الوقوع فلو قيل لو تم ما مر يلزم بطلان الأصل في الاستعمال الحقيقة بالمعنى الأول فإنه أيضا تمسك بدلالة الاستعمال على الحقيقة قلنا فرق فان الاستعمال في الأصل بالمعنى الأول معتبر إذا كان مجردا عن القرينة بخلاف ما اعتبر في الأصل بالمعنى الثاني فان المعتبر فيه لا يصح الا باعتبار الاستعمال من حيث إنه استعمال وهو أعم لوجوده في الحقيقة والمجاز وفي الأول كاشف عن إرادة الحقيقة وهو مبنى على ظهور ذلك عرفا وكونه فائدة الوضع وغير ذلك ولزومه ظ بخلاف الأصل بالمعنى الثاني عند من كان ثابتا فإنه يدل على كون اللفظ حقيقة في المعنى المتنازع فيه مع اعميته فتدبر وفي الثاني ان الأصل بالمعنى الأول يتوقف على ثبوت الحقيقة والموضوع له حتى ينصرف اللفظ اليه وهو هنا مشكوك فكيف يصح ان يقال إن ثبت الأصل بالمعنى الأول ثبت بالمعنى الثاني مع أقصى ما يلزم هنا ان اللفظ يكشف عن المراد لا عن الحقيقة وهو لا يستلزم كون المعنى موضوعا له أصلا وفي الثالث ان المعهود ثبوت الاستعمال منهم لا ان المعهود منهم ثبوت الاستعمال في خصوص الحقيقة بحيث جعلوه امارة لها وأيضا ان الاستعمال بطريق الترديد بالقرائن استعمال خاص حصوله فيما نحن بصدده غير مفروض نعم يمكن ان يقال لو كان الغالب في استعمالهم استعمالا في الحقيقة ومقتضى الحاق المشتبه بالأعم الأغلب كون الاستعمال المذكور منه لكنه غير المدعى ولم نر أحدا تفوه به أو احتمله مع أن الذي يستلزمه هذا رجحان إرادة المعنى الحقيقي لا رجحان لون المعنى المشكوك فيه حقيقة على أن المعاني المجازية في اللغة أكثر من المعاني الحقيقية بل المعنى المجازى لكل لفظ أكثر من معناه الحقيقي
إشارات الأصول — صفحة 48 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني