ومن هذا الباب حكم الشارع في الوصية بالسهم على الثمن وبالجزء على العشر وبالشيء على السدس وفي النذر بالتصدق بمال كثير على ثمانين درهما على الأقوى وعلى السدس في الأول والسبع في الثاني في قول آخر وبعتق كل مملوك قديم على من مضى في ملكيته ستة اشهر فصاعد أو بصوم زمان على خمسة اشهر أو حين على ستة اشهر ومما يناسبه جعل سكوت البكر كاشفا عن الرضاء مع كونه أعم واخلاء العقد عن الصداق كاشفا عن خمسمائة درهم واما الثاني وعليه مدار نظام عيش بني آدم من بدايتهم إلى نهايتهم في محاوراتهم فالظاهر منه الحقيقة إذا كان مجردا عن القرينة سواء كان متحد المعنى أو متعددة فان بذلك جرت عادة أرباب اللغات وعليه استقر بناء محاوراتهم بحيث لا يشك فيه أحد على أنه لولاه لارتفع التفاهم من البين ولزم التردد بين المجاز والحقيقة وغلبة الاجمال وشيوعه وجواز تحصله من حمل اللفظ على الحقيقة وتكذيب من اسند إلى المتكلم الحقيقة بمجرد الاطلاق وتقبيحه عرفا إلى غير ذلك والكل ظاهر الفساد ولذا وقع على هذا الأصل الاتفاق بل الضرورة في جميع الاصقاع والاعصار في جميع اللغات فلا يحمل لفظ على غير الحقيقة الا بالقرينة هذا مع أن فائدة الوضع وهو اعلام ما في الضمير باللفظ الموضوع للمعنى مما يحصل بها والقاعدة التي عليها مدار وضع اللغات على ما يظهر بالاستقراء وعلى اى حال هو مما لا ريب فيه ولا شك يعتريه وعليه يبتنى احكام الشرع وخطاباته من البداية إلى النهاية بل احكام عامة العباد وخطاباتهم ولا يخرج منه الا ما سمعت من التسبيب الا بالدليل ومما مر بان صحة قولهم المجاز مخالف للأصل مع وجهه وما قاله في المشارق لا نسلم ان الحمل على الحقيقة مط أولى من الحمل على المجاز ألا ترى ان علماء البلاغة اطبقوا على أن المجاز أبلغ من الحقيقة فمن غريب الكلام لو أراد به ما ينافي ما قلناه فإنه مع كونه مخالفا للاتفاق يستلزم ان يحتاج الحقيقة إلى القرينة وهو أيضا مخالف للاتفاق والوجدان وما ذكر من ابلغية المجاز ان أراد منه تعين حمل الكلام عليه فهو كسابقه ولم يرد القوم منه ذلك قطعا مع أن البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع حسن النظم والتاليف وسلامته عما يخل بالفصاحة ولا ريب ان هذا كما يحصل المجاز فكذا بالحقيقة بل قد لا يحصل الا بها كما إذا كان المقام مقام البيان والتوضيح فان المطابقة لمقتضى الحال لا يكاد يتحقق فيه الا بالحقيقة والتصريح كيف ولو كان استعمال الحقيقة منافيا للبلاغة لزم ان لا يكون القرآن بليغا أصلا أو بتمامه وكلاهما باطل بالضرورة فالحال لا يقتضى المجاز في جميع الأحوال حتى يكون المجاز أبلغ من الحقيقة بقول مطلق بل لكل مقام مقال ولكل مقال مقام وان أراد منه ابلغيته في الدلالة على المطلوب من الحقيقة لكونه بمنزلة الشيء ببينة وبرهان كما هو مراد القوم وبه صرح بعض محققيهم فهو مع كونه خلاف ظاهر كلامه يكون أجنبيا مط ولا سيما بالنسبة إلى ما كنا فيه فان ذلك لا يستلزم حمل اللفظ عليه عند الاطلاق نعم ذلك انما يجدى إذا كان المقام مما يقتضى ذكر المجاز وهو فيما نحن بسدده محل منع ويشهد له الرجوع إلى المحاورات العرفية وغيرها ولا سيما الشرعية التي يقصد بها بقاء احكامها في الاعصار المتمادية والقرون المتطالية هذا كله فيما كان للفظ حقيقة واحدة
إشارات الأصول — صفحة 44
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٤٤