ورأينا تعارض الأدلة فيه فصح التمسك فيه بأصل العدم واصالة عدم الوجوب فإنه يفيد الظن بالعدم ويحصل من مجموع الامرين الظن بان الماهية ما ذكر لا غيره وتحصيل اليقين لو اعتبر مشترك بين الحكم والموضوع مع انا نقول لم يثبت انقطاع أصل البراءة السابقة وعدم اشتغال الذمة السابق الا بهذا القدر فكيف يحكم بانقطاعه رأسا حتى لا يمكن التمسك بالأصل وجوابه ظهور الفرق أولا فان مع الجهل بالحكم شرط التكليف مرتفع لعدم العلم بتعلقه ولو علمنا أن له في الواقع حكما فان بمجرد ذلك لا يثبت الوجوب أو الحرمة لاحتمال عدمهما وكونه مباحا بخلاف ما هنا فان الحكم بخصوصه معلوم وموضوعه معلوم غاية الأمر عدم تعيين حقيقة المأمور به تفصيلا وهو ليس من شرائط التكليف فان الالفاظ موضوعة للأمور الواقعية ولا مدخلية للعلم في مدلولها وكذا لا يعتبر العلم في المدلول في حال التركيب لا فعلا ولا قوة نعم يشترط على تقدير عدم العلم القدرة على الامتثال وهو مفروض الحصول فبان الفرق على أن الأصل العدم مما لا يمكن التشبث به في اثبات المهيات لكونه معارضا بمثله فإنه كما يمكن ان يقال الأصل عدم جزئية شيء يمكن ان يقال الأصل عدم كون الباقي مدلول اللفظ ومستعملا فيه فتعارضا وتساقطا فبقى استصحاب الاشتغال خاليا عن المعارض مع أن الأصل مما لا يكون له قابلية في تشخيص الماهيات فان اعتبار شيء في مدلول اللفظ من الواضع وعدمه سواء ولا طريق له في الكشف والمرآتية بخلاف وجود الحوادث فإنه مسبوق بالعدم ووجود أسبابه إذا كان مشكوكا يؤثر في حصول الظن بالحالة السابقة ولذا شاع وذاع ان الأصل لا يجرى في اللغات وما قال ولا يوجب امتزاج أمور متعددة وثبوت حكم لها الفرق قلنا إن أردت ان مطلق الامتزاج لا يؤثر في منع جريان الأصل فهو حق ولا مدخلية له بالمقام بخلاف ما لو كان الامتزاج من باب التركيب وجعل المجموع شيئا واحدا وتعلق الحكم به فإنه يمنع من جريان الأصل لما قد عرفت من كونه معارضا بمثله وغيره نعم لو شك في اعتبار شيء معه شرطا أو شطرا بمعنى ان يزيد عليه شيء آخر ويكون المطلوب بالامر الثاني المجموع منهما كان يأمر الشارع في الصلاة بقراءة السورة أو الاستعاذة مع أنها ليست من اجزاء الماهية بل يتوقف وجوبه بأمر آخر يمكن اجراء الأصل فيه فان ثبوت ذلك لما كان بأمر آخر وشك في اشتراط الامتثال بأمر الأول به ففي الحقيقة يتردد الامر بين تقييد الأمر الأول وعدمه والتقييد خلاف الأصل فيدفع به مثلا إذا ثبت كون الصلاة عبارة عن الأركان وتعلق الامر بها مع كونه مطلقا لا مجملا وشك في غيرها من الواجبات فيجرى الأصل في غير الأركان فبان الفرق بين اجزاء الماهية واجزاء المطلوب وجواز اجراء الأصل في الأخير وفي كلامه لم يفرق بينهما حيث مثل بالاستعاذة وعد من اجزاء الماهية القراءة وهما مما لا يصح وما حكم بعدم انقطاع أصل البراءة السابقة وعدم اشتغال الذمة السابق الا بهذا القدر باطل فان الالفاظ اسام للمعاني الواقعية لا المعلومة ومتعلق الاحكام نفس تلك المعاني لا المعلوم منها ولا يعتبر مع ذلك امكان العلم بها بل يكفى القدرة على الامتثال به نعم عدمها مع عدم العلم يمنع تعلق التكليف اما الأول فقد مر بيانه بما لا مزيد عليه واما الثاني فظاهر
إشارات الأصول — صفحة 38
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٣٨