لنا على أصل الاستعمال القطع واتفاق أرباب الملة وحصول الاجماع منهم وشذوذ المخالف فيهم بل عدم الجزم بوجوده بل الظن فبقى الكلام في كيفية الاستعمال وهي مما يكفى في تعيينها الظن وعليه المدار في جميع الأعصار وهو مما لا ينبغي ان ينازع فيه فمما يدل على كونه على وجه الحقيقة اخبار جماعة من أعاظم الفريقين بالنبوة على وجه القطع ومنهم من ادعى الاجماع عليه كالسيد وغيره ممن عاصرناهم وغيره والثانيان نفيا الخلاف في ثبوتها في الجملة مع تأيده بالشهرة العظيمة وهو يكفى جدا بل يزيد فإنه ليس الا مسئلة لغوية وطريقة النقل ولو آحادا مع أن الوضع وتعيين المعنى معا يثبتان بها فأحدهما بطريق أولى والاستقراء فان من تتبع يجد هجر الشارع للمعاني اللغوية وعدم ظهور نصب القرينة منه ولو في موضع للمعاني الشرعية مع كثرة استعمالها وتكررها جدا وهذا يكشف عن الوضع قطعا أو ظنا وهو طريق مألوف معروف في اثبات اللغات بحيث ان أكثر مطالبهم مثبت به ولم يخدش أحد في التشبث به في اللغات وهذا منها وان أهل البيت والصحابة وعلماء الأمصار في جميع الأعصار لم يزالوا يستدلون بما اشتمل عليها الكتاب والسنة ولم ينكر عليهم أحد على انك قد عرفت ان النزاع فيما يكفى فيه الظن وهو حاصل بما ذكرنا قطعا وأيضا إذا تصفحنا حال كافة الناس في أمورهم من حقيرها وجليلها من الحرف والصنائع والسلطنة وفنون العلم حتى في حجرات دودهم ونحوها ديدنهم وسجيّتهم على الاصطلاح والتسمية وليس هذا الا لسهولة الامر والاتقان والاحكام وهو انما يحصل به دون المجاز فان القرينة في معرض الزوال فأقل ما يكون حصول الظن بكون الشارع بناءه على مراعاة هذه الحكمة والمصلحة في هذا الامر الخطير الجليل المهتم به الذي يراد دوامه إلى القيامة مع كون الشارع احرى بمراعاة ذلك بل هو مقتضى لطفه وعادته وديدنه ففيه الكفاية وان لم نقل بثبوت أصل اللغة به لكن العمل مما يكتفى به جزما والا لزم حمل اللفظ على الموهوم فإنه إذا ظننا كون هذا الاستعمال من الشارع على وجه الحقيقة يلزم حمل اللفظ من دون قرينة على اللغة وهو الذي ظننا إرادة غيره وهو قطعي الفساد بل ضرورية فان اللغات ليست بناء فهم معانيها الا على الظن والظهور ولا يحتمل التعبد واستدل بأمور أخر ومنها القطع بان الصلاة اسم للركعات المخصوصة بما فيها من الأقوال والهيئات وان الزكاة لاداء مال مخصوص والصيام لامساك مخصوص والحج لقصد مخصوص ونقطع أيضا بسبق هذه المعاني عنها إلى الفهم عند اطلاقها وذلك علامة الحقيقة ثم إن هذا لم يحصل الا بتصرف الشارع ونقله لها إليها وهو معنى الحقيقة الشرعية ويرد عليه ان القطع والسبق ان كان في كلام الشارع فالمقدمة الأخيرة مستدركة وان كان في الجملة فغير نافعة لاحتمال ان يكون ذلك باستعمال الشارع دون وضعه ونقله وهو غير المدعى ولا يساوقه في الثمرة لعدم تعين زمان الغلبة ولا سيما الالفاظ مختلفة في كثرة الدوران فيختلف فيها الشيوع والغلبة وما يقال انكار التبادر في كلام الشارع مكابرة باللسان لما يحكم به الوجدان فإنه لا شك في حصول هذه المعاني في الأذهان بمجرد سماع هذه الالفاظ في اى كلام كان غايته انك تقول هذا التبادر لأجل المؤانسة بكلام
إشارات الأصول — صفحة 30
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٣٠