تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
مستقيما ، مذهبا قويما ، وطريقة تنقاد ، وتبيّنت لها الغاية فيما ترتاد ؟ فقد قيل : " قرّة العين ، وسعة الصدر ، وروح القلب ، وطيب النفس ، من أربعة أمور : الاستبانة للحجّة ، والأنس بالأحبّة ، والثّقة بالعدّة ، والمعاينة للغاية " . وقال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر والنظر من الفضيلة : " وأين تقع لذّة البهيمة بالعلوفة ، ولذّة السّبع بلطع الدّم وأكل اللحم ، من سرور الظفر بالأعداء ، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه ، وبعد ، فإذا مدّت الحلبات لجري الجياد ، ونصبت الأهداف لتعرف فضل الرّماة في الإبعاد والسّداد ، فرهان العقول التي تستبق ، ونضالها الذي تمتحن قواها في تعاطيه ، هو الفكر والرويّة والقياس والاستنباط " . ولن يبعد المدى في ذلك ، ولا يدقّ المرمى إلا بما تقدم من تقرير الشّبه بين الأشياء المختلفة ، فإنّ الأشياء المشتركة في الجنس ، المتفقة في النوع ، تستغني بثبوت الشّبه بينها ، وقيام الاتفاق فيها ، عن تعمّل وتأمل في إيجاب ذلك لها وتثبته فيها ، وإنما الصّنعة تستدعي وجود القريحة والحذق ، والنظر يلطف ويدقّ ، في أن تجمع أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة ، وتعقد بين الأجنبيّات معاقد نسب وشبكة . وما شرفت صنعة ، ولا ذكر بالفضيلة عمل ، إلا لأنهما يحتاجان من دقّة الفكر ولطف النظر ونفاذ الخاطر ، إلى ما لا يحتاج إليه غيرهما ، ويحتكمان على من زاولهما والطالب لهما من هذا المعنى ، ما لا يحتكم ما عداهما ، ولا يقتضيان ذلك إلّا من جهة إيجاد الائتلاف في المختلفات . وذلك بين لك فيما تراه من الصناعات وسائر الأعمال التي تنسب إلى الدقة ، فإنك تجد الصورة المعمولة فيها ، كلما كانت أجزاؤها أشدّ اختلافا في الشكل والهيئة ، ثم كان التلاؤم بينها مع ذلك أتمّ ، والائتلاف أبين ، كان شأنها أعجب ، والحذق لمصوّرها أوجب . وإذا كان هذا ثابتا موجودا ، ومعلوما معهودا ، من حال الصور المصنوعة والأشكال المؤلّفة ، فاعلم أنها القضيّة في " التمثيل " واعمل عليها ، واعتقد صحّة ما ذكرت لك من أنّ أخذ الشبه للشيء مما يخالفه في الجنس وينفصل عنه من حيث ظاهر الحال ، حتى يكون هذا شخصا يملأ المكان ، وذاك معنى لا يتعدّى الأفهام والأذهان وحتى إن هذا إنسان يعقل ، وذاك جماد أو موات لا يتّصف بأنه يعلم أو يجهل وهذا نور شمس يبدو في السماء ويطلع ، وذاك معنى كلام يوعى ويسمع وهذا
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 113 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني