تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
وردّ البعيد إلى المألوف القريب ، ما يعطي البحتريّ ، ويبلغ في هذا الباب مبلغه ، فإنه ليروض لك المهر الأرن رياضة الماهر ، حتى يعنق من تحتك إعناق القارح المذلّل ، وينزع من شماس الصعب الجامح ، حتى يلين لك لين المنقاد الطّيع ، ثمّ لا يمكن ادعاء أنّ جميع شعره في قلّة الحاجة إلى الفكر ، والغنى عن فضل النظر ، كقوله " 1 " : [ من الهزج ]
فؤادي منك ملآن * وسرّي فيك إعلان
وقوله " 2 " : [ من الكامل ] عن أيّ ثغر تبتسم وهل ثقل على المتوكل قصائده الجياد حتى قلّ نشاطه لها واعتناؤه بها ، إلا لأنّه لم يفهم معانيها كما فهم معاني النوع النازل الذي انحطّ له إليه ؟ أتراك تستجيز أن تقول : إن قوله : منى النّفس في أسماء لو يستطيعها " 3 " من جنس المعقّد الذي لا يحمد ، وإن هذه الضّعيفة الأسر ، الواصلة إلى القلوب من غير فكر ، أولى بالحمد ، وأحقّ بالفضل . هذا ، والمعقّد من الشعر والكلام لم يذمّ لأنه مما تقع حاجة فيه إلى الفكر على الجملة ، بل لأنّ صاحبه يعثر فكرك في متصرّفه ، ويشيك طريقك إلى المعنى ، ويوعّر مذهبك نحوه ، بل ربّما قسّم فكرك ، وشعّب ظنّك ، حتى لا تدري من أين تتوصّل وكيف تطلب ؟ . وأمّا الملخّص ، فيفتح لفكرتك الطريق المستوي ويمهّده ، وإن كان فيه تعاطف أقام عليه المنار ، وأوقد فيه الأنوار ، حتى تسلكه سلوك المتبين لوجهته ، وتقطعه قطع الواثق بالنّجح في طيّته ، فترد الشريعة زرقاء ، والروضة غنّاء ، فتنال الريّ ، وقطف الزهر الجنيّ ، وهل شيء أحلى من الفكرة إذا استمرت وصادفت نهجا
هامش
( 1 ) البيت للبحتري في ديوانه . ( 2 ) البيت للبحتري أيضا . ( 3 ) مطلع قصيدة للبحتري من جياد قصائده ، في مدح المتوكل ، وتمامه :. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * بها وجدها من غادة وولوعها وقد راعني منها الصدر وإنما * تصد لشيب في عذارى يروعها
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 112 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني