وقوله " 1 " : [ من البسيط ]
يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا * من راحتيك درى ما الصّاب والعسل
ولو كان الجنس الذي يوصف من المعاني باللطافة ويعدّ في وسائط العقود ، لا يحوجك إلى الفكر ، ولا يحرّك من حرصك على طلبه ، بمنع جانبه وببعض الإدلال عليك وإعطائك الوصل بعد الصدّ ، والقرب بعد البعد ، لكان " باقلّي حار " وبيت معنى هو عين القلادة وواسطة العقد واحدا ، ولسقط تفاضل السامعين في الفهم والتصوّر والتبيين ، وكان كلّ من روى الشعر عالما به ، وكلّ من حفظه إذا كان يعرف اللغة على الجملة ناقدا في تمييز جيّده من رديئه ، وكان قول من قال " 2 " : [ من الطويل ]
زوامل للأشعار لا علم عندهم * بجيّدها إلا كعلم الأباعر
وكقول ابن الرومي " 3 " : [ من المنسرح ]
قلت لمن قال لي : عرضت على الأ * خفش ما قلته فما حمده
قصّرت بالشعر حين تعرضه * على مبين العمى إذا انتقده
ما قال شعرا ولا رواه فلا * ثعلبه كان لا ولا أسده
فإن يقل : إنّني رويت ، فكالدّف * تر جهلا بكلّ ما اعتقده
وما أشبه ذلك ، دعوى غير مسموعة ولا مؤهّلة للقبول ، فإنما أرادوا بقولهم :
" ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك " ، أن يجتهد المتكلم في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخلّ بالدّلالة ، وعاق دون الإبانة ، ولم يريدوا أن خير الكلام ما كان غفلا مثل ما يتراجعه الصبيان ويتكلّم به العامّة في السوق .
هذا ، وليس إذا كان الكلام في غاية البيان وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح ،
هامش
ديوانه ص 145 ، من قصيدة يمدح فيها المعتصم ويذكر إحراق الأفشين ، وهو في دلائل الإعجاز ص 84 . ويروى هكذا : " كاثنين ثان " .
( 1 ) البيت لأبي تمام في ديوانه ص 215 من قصيدة يمدح فيها المعتصم باللّه ، وهو في دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني ص 84 .
( 2 ) راجع هامش ( 2 ) ص 90 .
( 3 ) الأبيات في ديوانه . وابن الرمي كان كثير الهجاء لعلي بن سليم الأخفش والأبيات من قصيدة طويلة مطلعها :رقاب أهل الحلوم متعمدة * مقصودة بالهوان معتمدة