روح يحيا به الجسد ، وذاك فضل ومكرمة تؤثر وتحمد ، كما قال " 1 " : [ من البسيط ]
إنّ المكارم أرواح يكون لها * آل المهلّب دون النّاس أجسادا
وهذا مقال متعصّب منكر للفضل حسود ، وذاك نار تلتهب في عود ، وهذا مخلاف ، وذاك ورق خلاف ، كما قال ابن الرّوميّ " 2 " : [ من الخفيف ]
بذل الوعد للأخلّاء سمحا * وأبى بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف يورق للعي * ن ، ويأبى الإثمار كلّ الإباء
وهذا رجل يروم العدوّ تصغيره والإزراء به ، فيأبى فضله إلّا ظهورا ، وقدره إلا سمّوا ، وذاك شهاب من نار تصوّب وهي تعلو ، وتخفض وهي ترتفع ، كما قال أيضا " 3 " : [ من الخفيف ]
ثم حاولت بالمثيقيل تصغي * ري فما زدتني سوى التّعظيم
كالذي طأطأ الشّهاب ليخفى * وهو أدنى له إلى التّضريم
وأخذ هذا المعنى من كلام في حكم الهند ، وهو : " إن الرجل ذا المروءة والفضل ليكون خامل المنزلة غامض الأمر ، فما تبرح به مروءته وعقله حتى يستبين ويعرف ، كالشعلة من النار التي يصوّبها صاحبها وتأبى إلّا ارتفاعا " .
هذا هو الموجب للفضيلة ، والداعي إلى الاستحسان ، والشفيع الذي أحظى " التمثيل " عند السامعين ، واستدعى له الشغف والولوع من قلوب العقلاء الراجحين ، ولم تأتلف هذه الأجناس المختلفة للممثّل ، ولم تتصادف هذه الأشياء المتعادية على حكم المشبّه ، إلا لأنه لم يراع ما يحضر العين ، ولكن ما يستحضر العقل ، ولم يعن بما تنال الرؤية ، بل بما تعلّق الرويّة ، ولم ينظر إلى الأشياء من حيث توعى فتحويها الأمكنة بل من حيث تعيها القلوب الفطنة .
ثم على حسب دقّة المسلك إلى ما استخرج من الشّبه ، ولطف المذهب وبعد التّصعّد إلى ما حصل من الوفاق ، استحقّ مدرك ذلك المدح ، واستوجب التقديم ، واقتضاك العقل أن تنوّه بذكره ، وتقضي بالحسنى في نتائج فكره . نعم ، وعلى حسب
هامش
( 1 ) البيت من ثلاثة أبيات في شرح الحماسة 4 / 147 ، وأمالي القالي ، وهو ينسب لعمر بن لجأ في يزيد بن المهلب .
( 2 ) راجع هامش رقم ( 4 ) ص 90 .
( 3 ) البيتان في معجم الشعراء ص 448 . مثيقل : تصغير مثقال .