ألا ترى أن التشبيه الصريح إذا وقع بين شيئين متباعدين في الجنس ، ثم لطف وحسن ، لم يكن ذلك اللّطف وذلك الحسن إلا لاتفاق كان ثابتا بين المشبّه والمشبّه به من الجهة التي بها شبّهت ، إلّا أنه كان خفيا لا ينجلي إلا بعد التأنّق في استحضار الصور وتذكّرها ، وعرض بعضها على بعض ، والتقاط النّكتة المقصودة منها ، وتجريدها من سائر ما يتّصل بها ، نحو أن تشبّه الشيء بالشيء في هيئة الحركة ، فتطلب الوفاق بين الهيئة والهيئة مجرّدة من الجسم وسائر ما فيه من اللون وغيره من الأوصاف ؟ كما فعل ابن المعتز في تشبيه البرق حيث قال " 1 " : [ من المديد ]
وكأنّ البرق مصحف قار * فانطباقا مرّة وانفتاحا
لم ينظر من جميع أوصاف البرق ومعانيه إلا إلى الهيئة التي تجدها العين له من انبساط يعقبه انقباض ، وانتشار يتلوه انضمام ، ثم فلى نفسه عن هيئات الحركات لينظر أيّها أشبه بها ، فأصاب ذلك فيما يفعله القارئ من الحركة الخاصّة في المصحف ، إذا جعل يفتحه مرة ويطبقه أخرى . ولم يكن إعجاب هذا التشبيه لك وإيناسه إياك لأن الشيئين مختلفان في الجنس أشدّ الاختلاف فقط ، بل لأنّ حصل بإزاء الاختلاف اتفاق كأحسن ما يكون وأتمّه ، فبمجموع الأمرين شدّة ائتلاف في شدّة اختلاف حلا وحسن ، وراق وفتن .
ويدخل في هذا الوضع الحكاية المعروفة في حديث عديّ بن الرّقاع ، قال جرير : " أنشدني عديّ " 2 " : [ من الكامل ] عرف الديار توهّما فاعتادها
هامش
( 1 ) البيت لابن المعتز في ديوانه ص 141 ( طبعة دار صادر ) ، من قصيدة مطلعها :عرف الدار ، فحيّا وناحا * بعد ما كان صحا واستراحاوهو في الإيضاح ص 215 تحقيق د . هنداوي .
( 2 ) تمام البيت :
من بعد ما شمل البلى أبلادها والبيت من قصيدة في مدح الوليد بن عبد الملك ومنها :ولقد أراد اللّه إذ ولاكها * من أمة إصلاحها ورشادها
" عومنها " تأتيه أسلاب الأعزة عنوة * قسرا ويجمع للحرب عتادهاوالبيت في الإيضاح : تحقيق الدكتور هنداوي ، مؤسسة المختار ، والأبلاد : قطع الأرض عامرة أو غامرة أو الآثار في قول بعضهم .