تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
المراتب في ذلك أعطيته في بعض منزلة الحاذق الصّنع ، والملهم المؤيّد ، والألمعي المحدّث ، الذي سبق إلى اختراع نوع من الصنعة حتى يصير إماما ، ويكون من بعده تبعا له وعيالا عليه وحتى تعرف تلك الصّنعة بالنسبة إليه ، فيقال : " صنعة فلان " ، و " عمل فلان " ووضعته في بعض موضع المتعلّم الذكيّ ، والمقتدي المصيب في اقتدائه ، الذي يحسن التشبّه بمن أخذ عنه ، ويجيد حكاية العمل الذي استفاد ، ويجتهد أن يزداد . واعلم أني لست أقول لك إنك متى ألّفت الشيء ببعيد عنه في الجنس على الجملة فقد أصبت وأحسنت ، ولكن أقوله بعد تقييد وبعد شرط ، وهو أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفي ظاهر الأمر شبها صحيحا معقولا ، وتجد للملاءمة والتأليف السويّ بينهما مذهبا وإليهما سبيلا وحتى يكون ائتلافهما الذي يوجب تشبيهك ، من حيث العقل والحدس ، في وضوح اختلافهما من حيث العين والحسّ ، فأمّا أن تستكره الوصف وتروم أن تصوّره حيث لا يتصوّر ، فلا لأنك تكون في ذلك بمنزلة الصّانع الأخرق ، يضع في تأليفه وصوغه الشكل بين شكلين لا يلائمانه ولا يقبلانه ، حتى تخرج الصورة مضطربة ، وتجيء فيها نتوّ ، ويكون للعين عنها من تفاوتها نبوّ . وإنما قيل : " شبّهت ، ولا تعني في كونك مشبّها أن تذكر حرف التشبيه أو تستعير ، إنما تكون مشبّها بالحقيقة بأن ترى الشّبه وتبيّنه ، ولا يمكنك بيان ما لا يكون ، وتمثيل ما لا تتمثّله الأوهام والظنون . ولم أرد بقولي إنّ الحذق في إيجاد الائتلاف بين المختلفات في الأجناس ، أنك تقدر أن تحدث هناك مشابهة ليس لها أصل في العقل ، وإنما المعنى أنّ هناك مشابهات خفيّة يدقّ المسلك إليها ، فإذا تغلغل فكرك فأدركها فقد استحققت الفضل . ولذلك يشبّه المدقّق في المعاني بالغائص على الدرّ ، ووزان ذلك أن القطع التي يجيء من مجموعها صورة الشّنف والخاتم أو غيرهما من الصور المركّبة من أجزاء مختلفة الشكل ، لو لم يكن بينها تناسب ، أمكن ذلك التناسب أن يلائم بينها الملائمة المخصوصة ، ويوصل الوصل الخاصّ ، لم يكن ليحصل لك من تأليفها الصورة المقصودة . ألا ترى أنّك لو جئت بأجزاء مخالفة لها في الشكل ، ثم أردتها على أن تصير إلى الصورة التي كانت من تلك الأولى ، طلبت ما يستحيل ؟ فإنما استحققت الأجرة على الغوص وإخراج الدّر ، لا أن الدرّ كان بك ، واكتسى شرفه من جهتك ، ولكن لمّا كان الوصول إليه صعبا وطلبه عسيرا ، ثم رزقت ذلك ، وجب أن يجزل لك ، ويكبّر صنيعك .