تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
أغناك ذاك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفا ، فإن المعاني الشريفة اللطيفة لا بدّ فيها من بناء ثان على أوّل ، وردّ تال على سابق . أفلست تحتاج في الوقوف على الغرض من قوله : [ من الكامل ] كالبدر أفرط في العلوّ " 1 " إلى أن تعرف البيت الأول ، فتتصوّر حقيقة المراد منه ووجه المجاز في كونه دانيا شاسعا ، وترقم ذلك في قلبك ، ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر ، ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى ، وتردّ البصر من هذه إلى تلك ، وتنظر إليه كيف شرط في العلوّ والإفراط ، ليشاكل قوله : " شاسع " ، لأن الشّسوع هو الشديد البعد ، ثم قابله بما لا يشاكله من مراعاة التناهي في القرب فقال : " جدّ قريب " ؟ فهذا هو الذي أردت بالحاجة إلى الفكر ، وبأنّ المعنى لا يحصل لك إلا بعد انبعاث منك في طلبه ، واجتهاد في نيله . هذا ، وإن توقفت في حاجتك أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله ، فهل تشكّ في أن الشاعر الذي أدّاه إليك ، ونشر بزّه لديك ، قد تحمّل فيه المشقّة الشديدة ، وقطع إليه الشّقة البعيدة ، وأنه لم يصل إلى درّه حتى غاص ، ولم ينل المطلوب حتى كابد منه الامتناع والاعتياص ؟ ومعلوم أن الشيء إذا علم أنه لم ينل في أصله إلا بعد التّعب ، ولم يدرك إلا باحتمال النّصب ، كان للعلم بذلك من أمره من الدعاء إلى تعظيمه ، وأخذ الناس بتفخيمه ، ما يكون لمباشرة الجهد فيه ، وملاقاة الكرب دونه . وإذا عثرت بالهوينا على كنز من الذهب ، لم تخرجك سهولة وجوده إلى أن تنسى جملة أنه الذي كدّ الطالب ، وحمّل المتاعب ، حتى إن لم تكن فيك طبيعة من الجود تتحكّم عليك ، ومحبّة للثناء تستخرج النفيس من يديك كان من أقوى حجج الضّنّ الذي يخامر الإنسان أن تقول : " إن لم يكدّني فقد كدّ غيري " ، كما يقول الوارث للمال المجموع عفوا إذا ليم على بخله به ، وفرط شحّه عليه : " إن لم يكن كسبي وكدّي ، فهو كسب أبي وجدي ، ولئن لم ألق فيه عناء ، لقد عانى سلفي فيه الشدائد ، ولقوا في جمعه الأمّرين ، أفأضيّع ما ثمّروه ، وأفرّق ما جمعوه ، وأكون كالهادم لما أنفقت الأعمار في بنائه ، والمبيد لما قصرت الهمم على إنمائه ؟ " . وإنك لا تكاد تجد شاعرا يعطيك في المعاني الدقيقة من التسهيل والتقريب ،
هامش
( 1 ) راجع هامش ( 4 ) ص 101 .