تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
وأما التعقيد ، فإنما كان مذموما لأجل أن اللفظ لم يرتّب الترتيب الذي بمثله تحصل الدّلالة على الغرض ، حتى احتاج السامع إلى أن يطلب المعنى بالحيلة ، ويسعى إليه من غير الطريق ، كقوله " 1 " : [ من الكامل ]
ولذا اسم أغطية العيون جفونها * من أنّها عمل السيوف عوامل
وإنما ذمّ هذا الجنس ، لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في مثله ، وكدّك بسوء الدّلالة وأودع لك في قالب غير مستو ولا مملّس ، بل خشن مضرّس ، حتى إذا رمت إخراجه منه عسر عليك ، وإذا خرج خرج مشوّه الصورة ناقص الحسن . هذا ، وإنما يزيدك الطلب فرحا بالمعنى وأنسا به وسرورا بالوقوف عليه ، إذا كان لذلك أهلا ، فأمّا إذا كنت معه كالغائص في البحر ، يحتمل المشقّة العظيمة ، ويخاطر بالروح ، ثم يخرج الخرز ، فالأمر بالضدّ مما بدأت به . ولذلك كان أحقّ أصناف التعقّد بالذم ما يتعبك ، ثم لا يجدي عليك ، ويؤرّقك ثم لا يورق لك ، وما سبيله إلّا سبيل البخيل الذي يدعوه لؤم في نفسه ، وفساد في حسّه ، إلى أن لا يرضى بضعته في بخله ، وحرمان فضله ، حتّى يأبى التواضع ولين القول ، فيتيه ويشمخ بأنفه ، ويسوم المتعرّض له بابا ثانيا من الاحتمال تناهيا في سخفه أو كالذي لا يؤيسك من خيره في أول الأمر فتستريح إلى اليأس ، ولكنه يطمعك ويسحب على المواعيد الكاذبة ، حتى إذا طال العناء وكثر الجهد ، تكشّف عن غير طائل ، وحصلت منه على ندم لتعبك في غير حاصل . وذلك مثل ما تجده لأبي تمام من تعسّفه في اللفظ ، وذهابه به في نحو من التركيب لا يهتدي النحو إلى إصلاحه ، وإغراب في الترتيب يعمي الإعراب في طريقه ، ويضلّ في تعريفه ، كقوله " 2 " : [ من الكامل ]
ثانيه في كبد السّماء ، ولم يكن * لاثنين ثان إذ هما في الغار
هامش
( 1 ) البيت للمتنبي في ديوانه ص 223 ، من قصيدة يمدح القاضي أبا الفضل بن عبد اللّه بن الحسين الأنطاكي مطلعها :لك يا منازل في القلوب منازل * أقفرت أنت وهن منك أو أهل يعلمن ذاك وما علمت وإنما * أولاكما يبكي عليه العاقلوأيضا في التبيان للعكبري 2 / 201 . والضمير " إنها " للعيون ، أي : أنها تعمل عمل السيوف ، ولذا سميت أغطية العيون جفون ، والجفون أغماد السيوف ، أي : لأنها تعمل عمل السيوف . ( 2 ) البيت لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر المجيد المتقدم البارع صاحب ديوان الحماسة ، في
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 109 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني