وهذا من قربه لو قيل : إنه حقيقي غير مستعار جاز ذلك ، وإن كان على محض الاستعارة أحسن وأحمد ، فأمّا قوله :
ولما ضربنا قونس الليل من عل * تفرّى بنضخ الزعفران أو الردع « 1 »
فإن قونس الليل ليس بمرضي ، على أن ذا الرمة قد أتى بمثله في قوله :
تيمّمن يافوخ الدجى فصدعنه * وجوز الفلا صدع السيوف القواطع « 2 »
وإن كان يافوخ الدجى أقبح وأشنع ، لكن هذا عندنا ليس بعذر ، وما يتوجه على أحدهما إلا ما يتوجه على الآخر ، وما زال العلماء بالشعر ينكرون هذه الاستعارة على ذي الرمة ويعتدّونها من إساءاته ، وقد تجاوز الشريف الرضى في بعض المواضع ذكر الرأس لليل إلى أن جعل له مخّا وعظما ، فقال :
ليالي أسري في أصيحاب لذّة * ومخّ الدّجى رار وقد دقّ عظمه « 3 »
وهو من أردأ ما يكون في هذا الباب وأشنعه .
وما زال الناس ينكرون قول أبي تمام :
لا تسقني ماء الملام فإنني * صبّ قد اسعذبت ماء بكائي « 4 »
ويحكون الحكاية المعروفة عن سائل سأل أبا تمام أن ينفذ له في إناء شيئا من ماء الملام ، وربما نسبها بعض الرواة إلى عبد الصمد بن المعذّل ، وقد تصرف أصحاب أبي تمام في التأويل له ، فقال بعضهم : إن أبا تمام أبكاه الملام ، وهو يبكي على الحقيقة ، فتلك الدموع هي ماء الملام ، وهذا الاعتذار فاسد ، لأن أبا تمام قال : قد استعذبت ماء
هامش
( 1 ) القونس : أعلى الرأس ، وتفرى انشق ، والردع : اللطخ . انظر « ديوان سقط الزند » ص 231 .
( 2 ) جوز الفلا : معظمها . انظر « ديوان ذي الرمة » ص ( 167 ) .
( 3 ) الرار : الذائب من المخ . وانظر « ديوان الشريف الرضي » ( 2 / 349 ) .
( 4 ) « ديوان أبي تمام » 1 / 22 . الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري 1 / 277 .