وكذلك - صفيح البارق - وأشبه شيء بالبرق لمع السيوف ، والتبسم فيه أيضا ظاهر لضوء برقه في خلاله ، وعقود المزن لائقة ، لتشبيه القطرات من الماء والدمع بالعقد إذا وهي من سلكه ، وأنفاس الرياح تكاد تكون حقيقة لوضوحه ، واستعمال العلة فيها كناية عن الضعف والخفوت وقلة الحركة على وجه التشبيه بالمريض ، وجيوب الورد مختار ، لأن النسيم إذا أظهره من أكمامه ونشره عن طيه بعد ذلك كان بمنزلة الجيوب التي تشق ، وعبارته عن سرعة برد الماء بالنسيم أنه متى نظر إليه برد مرضه ، لأن النظر ليس هو الرؤية ، وإنما هو ضرب من المقابلة والمواجهة تقع الرؤية بعده ، ومثل هذا في النسيم موجود لائق غير بعيد .
وأنا أختار أيضا قول الأمير أبي الحسن علي بن مقلد بن منقذ :
لا يحفظون سوى أسمال زادهم * ولا يضيعون إلا حرمة الجار
لأن الأسمال الأخلاق « 1 » وإذا استعيرت لبقية الزاد وفضلته كانت من أحسن شيء وأليقه وأقرب إلى الحقيقة ، والجامع بينهما أن كلا منهما غبر وعقابيل قد أنهجت جدّته وذهب أكثره ، وهو معرض للنبذ ، وهو منسوب إلى الاطراح والرفض ، وهذه وجوه ظاهرة تحمل الاستعارة عليها .
وأما قول أبي عبادة البحتري « 2 » :
وكنت إذا استبطأت ودّك زرته * بتفويف شعر كالرداء المحبّر
عتاب بأطراف القوافي كأنه * طعان بأطراف القنا المتكسر
فلعمري إن هذه المقابلة صحيحة ، لأن للقوافي طرفا بلا شك وأولا ووسطا وآخرا ، فإن كان أبو عبادة لا يريد طرف القافية الحقيقي وإنما مقصوده أني ألوح بالعتاب في
هامش
( 1 ) الأخلاق جمع ، ومفردها خلق : وهو الشيء البالي .
( 2 ) « ديوان البحتري » ( 1 / 265 ) .