تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
القصائد ولا أصرح به ، فهو يفهم من معاريضها وملاحنها وحيا وعلى وجه الإيماء والإشارة ، وهي غير مقصورة عليه ولا مفردة لذكره ، فبهذا أيضا جرت العادة في استعمال الطرف ، وإذا قال القائل : تلوحت من أطراف كلام فلان كذا وكذا ، فإنما هذا المعنى يريد ، وله يعني ، والبحتري على كل حال محسن ، وأما : تفويف شعر ؛ فإن النظم إذا كان نسجا ووصف بالصقال والرقة وكثرة الماء والهلهلة والمتانة وغير ذلك مما يستعمل في الثياب المنسوجة من النعوت المحمودة والمذمومة ، كان التفويف فيه جاريا هذا المجرى ومعدودا من هذا القبيل . وأما قول الرضي :
ملك سما حتى تحلّق في العلا * وأذلّ عرنين الزمان السامي « 1 »
فليس عرنين الزمان من الاستعارة الجيدة ، وإنما بناه على ذكر الأنف الحقيقي عند وصف صاحبه بالذل وقد وردت استعارة الأنف في مثل هذا الموضع ، وكلاهما قبيح ، قال تأبط شرا :
نحزّ رقابهم حتى صدعنا * وأنف الموت منخره رثيم
فجعل للموت أنفا ومنخرا رثيما ، من قولهم : رثمت أنف الرجل فهو رثيم ، إذا ضربته فدمى ، وقال ذو الرمة :
يعزّ ضعاف القوم عزّة نفسه * ويقطع أنف الكبرياء من الكبر « 2 »
فاستعار للكبرياء أنفا ، أو لعله أراد أنف صاحب الكبرياء وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، وقال معقل بن خويلد الهذلي :
تخاصم قوما لا تلّقى جوابهم * وقد أخذت من أنف لحيتك اليد
هامش
( 1 ) العرنين : الأنف كله أو ما صلب منه . « ديوان الرضي » ( 2 / 296 ) . ( 2 ) « ديوان ذي الرمة » ص 126 . وفيه : ضعاف الناس ، بدل ضعاف القوم .