تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
وقال أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي : ليس قول أبي تمام : ( لا تسقني ماء الملام ) بعيب عندي ، لأنه لما أراد أن يقول : قد استعذبت ماء بكائي ، جعل للملام ماء ليقابل ماء بماء ، وإن لم يكن للملام ماء على الحقيقة ، فإن اللّه جل اسمه يقول :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] ومعلوم أن الثانية ليست بسيئة وإنما هي جزاء على السيئة ، وكذلك :
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ
[ هود : 38 ] والفعل الثاني ليس بسخرية ، ومثل هذا في الشعر والكلام كثير ومستعمل ، فلما كان في مجرى العادة أن يقول القائل : أغلظت لفلان القول ، وجرّعته منه كأسا مرّة ، أو سقيته منه أمرّ من العلقم ، وكان الملام مما يستعمل فيه التجرع ، جعل له ماء على الاستعارة ، وهذا كثير موجود « 1 » . وهذا الذي قاله أبو القاسم عن المقابلة قد ذكرناه ، فلا وجه لإعادة الكلام عليه ، وأما اعتذاره بأن العادة جارية أن يقال : جرّعته من القول كأسا مرة ، فلما استعمل في الملام التجرّع على الاستعارة جعل له ماء على الاستعارة ؛ فلعمري إنّ هذا أقرب ما يعتذر به لأبي تمام في هذا البيت ، وأولى من جميع ما قد ذكر ، لما قدّمناه من فساد التعلق بذلك ، لكنّا قدّمنا أن الاستعارة إذا بنيت على استعارة بعدت ، وإن اعتبر فيها القرب ، فماء الملام ليس بقريب ، وإن لم يعتبر فيها لم ينحصر ، وبني على كل استعارة استعارة ، وأدى ذلك إلى الاستحالة والفساد على ما قدمناه . وليس هذا البيت عندي بمحمود ، ولا من أقبح ما يكون في هذا الباب بعد قول أبي تمام :
لها بين أبواب الملوك مزامر * من الذّكر لا تنفخ ولا هي تزهر « 2 »
وقوله :
إلى ملك في أيكة المجد لم يزل * على كبد المعروف من نيله برد « 3 »
هامش
( 1 ) « الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري 1 / 288 - 278 . ( 2 ) « ديوان أبي تمام » 2 / 216 ، وجاء في عجز البيت : لم تنفخ ولا تتزمّر . ( 3 ) « ديوان أبي تمام » 2 / 87 ، والبيت المثبت في الديوان المطبوع على غير ما أثبته المؤلف فقد جاء على هذا الوجه : -