تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
بكائي ، وإذا كان ماء الملام هو ماء بكائه فكيف يكون مستعفيا منه مستعذبا له . وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي « 1 » : كيف يعاب أبو تمام إذا قال : ماء الملام ؟ وهم يقولون : كلام كثير الماء ، وقال يونس بن حبيب في تقديم الأخطل : لأنه أكثرهم ماء شعر ، ويقولون : ماء الصبابة ، وماء الهوى ؛ يريدون الدمع ، وقال ذو الرمة :
أإن توهّمت من خرقاء منزلة * ماء الصبابة من عينيك مسجوم « 2 »
وقال أيضا :
أدارا بحزوى هجت للعين عبرة * فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق
وقالوا : ماء الشباب ، قال أبو العتاهية :
ظبي عليه من الملاحة حلّة * ماء الشباب يجول في وجناته
وهو من قول عمر بن أبي ربيعة :
وهي مكنونة تحيّر منها * في أديم الخدّين ماء الشباب
فما يكون إذا استعار أبو تمام من هذا كله حرفا فجاء به في صدر بيته ؟ لما قال في آخره : فإنني صبّ قد استعذبت ماء بكائي ، قال في أوله : لا تسقني ماء الملام ، وقد تحمل العرب اللفظ على اللفظ فيما لا يستوي معناه ، قال اللّه عز وجل :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] فالسيئة الثانية ليست بسيئة لأنها مجازاة ، ولكنه لما قال :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ،
فحمل اللفظ على اللفظ . وكذلك :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
[ آل عمران : 54 ] إنما حمل اللفظ على اللفظ ، فخرج الانتقام
هامش
( 1 ) هو محمد بن يحيى بن عبد اللّه ، أبو بكر الصولي ، ويعرف بالشطرنجي ، من أكابر علماء العرب ، له تصانيف كثيرة منها : « أدب الكتاب » و « أشعار أولاد الخلفاء » . ( 2 ) خرقاء : اسم امرأة . انظر « ديوان ذو الرمة » ص ( 254 ) . وفي المطبوع : أعن ترسّمت ، بدل أإن توهّمت .
سر الفصاحة — صفحة 134 | عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي / داود غطاشة الشوابكة