تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
عليها ، فيورد منه لأجل التكلف ما لا غاية لقبحه ، ويسعده الخاطر في بعض المواضع فيأتي بالعجائب الغرائب . ومن مختار الاستعارة قول الشريف الرضي :
وما نطفة مشمولة في مجمّة * وعاها صفا من آمن الطّود فارع من البيض لولا بردها قلت دمعة * مرنّقة ما أسلمتها المدامع « 1 »
لأنه استعار لأعلى الجبل الأمن عبارة عن الارتفاع وتعذر الوصول إليه ، وهذا لائق محمود في الصناعة ، ومعلوم عند أهلها ، وما زلت أسمع أبا العلاء يقول : إن من الشعر ما يصل إلى غاية لا يمكن تجاوزها ، وهذا البيت عندي من ذلك القبيل حسنا وصحة نسج وعذوبة لفظ . وللسّريّ الموصلي أبيات مرضية في معناها ، وهي « 2 » :
أقول لحنّان العشيّ المغرد * يهز صفيح البارق المتوقد تبسم عن ريّ البلاد حبيّه * ولم يبتسم إلا لإنجاز موعد
ثم بعدها أبيات :
ويا ديرها الشرقي لا زال رائح * يحلّ عقود المزن فيك ويغتدي عليلة أنفاس الرياح كأنما * يعلّ بماء الورد نرجسها الندي يشق جيوب الورد في شجراته * نسيم متى ينظر إلى الماء يبرد
وفي هذه الأبيات استعارات عدة كل منها مختار : أما - حنان العشى المغرد - فمعروف ، والعادة جارية باستعارة الحنين والتغريد للغيث ، لأن له صوتا على كل حال ،
هامش
( 1 ) النطفة : الماء الصافي ، والمجمعة : مجتمع الماء ، والطود : الجبل العظيم . « ديوان الشريف الرضي » ( 1 / 599 ) . ( 2 ) هو السري بن أحمد الكندي ، والأبيات في يتيمة الدهر 2 / 120 .