تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
ولا ذاهب ، وكان الطائر ذو البيض أو الفراخ شديد المقام على وكره والإلف له والحنين إليه ، ترخص بأن استعار للهوى - باض - وللتذكار - فرّخ - كناية عن مقامهما وثباتهما في فؤاده ، وتشبيها بما ذكرناه من حال الطائر ، فإن ادعى صحة هذا التخريج وألحقه بما ذكره في بيت أبي تمام وجب الإمساك عنه ، وإن أفصح بخلافه للعلة التي بيناها فهي موجودة في الأبيات التي ذكرها ، على أنه قال في آخر كلامه : إن هذه أمور لا تحمل على التحقيق ، ولا يتبع فيها الرخص ، ثم حملها على أشد الرخص إحالة وفسادا . ومن التوسط الذي حمده وأشار إليه ألا يتعدى في الاستعارة حدها ، ولا يعدل بها عن منهجها . فأمّا قول أبي الطيب :
وقد ذقت حلواء البنين على الصبا * فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل « 1 »
فقد كان الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد أنكره على أبي الطيب ، وذكره في جملة المساوي من شعره ، والأمر فيه على ما قاله ، وهو من رديء الاستعارة ، وأرى أن الزائد في قبحه قوله : حلواء ؛ لأن المستعمل في هذا الفن حلاوة ، وتلك اللغة في العرف مفردة لأمر آخر حقيقي هي غير مستعارة فيه . وأما قول أبي تمام :
وكم أحرزت منكم على قبح قدّها * صروف النّوى من مرهف حسن القدّ « 2 »
فإن استعارة القد لصرف النوى من أبعد ما يقع في هذا الباب وأقبحه ، وإنما يقود أبا تمام إلى هذا وأمثاله رغبته في الصنعة ، حتى كأنه يعتقد أن الحسن في الشعر مقصور
هامش
( 1 ) هذا البيت من قصيدة له في رثاء ولد لسيف الدولة ، والحلواء : الحلاوة . ( 2 ) « ديوان أبي تمام » 2 / 110 . أي كم فرّق بيني وبين حبائب لي صروف الدهر . على قبح قدّها : أي على قبح صورتها .