تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
يخدم غاياتهم ومناهجهم في التصنيف والتنظير . ولذلك كانت مصادر تفسير الشعر والقرآن الكريم ميدان التجرد للتحليل الجمالي المتميز ، فأمدت تاريخ البلاغة بالنماذج الكثيرة ، وعديد من المصطلحات والتوجيهات الحيّة . وقد لمسناها إشارات في العصر الجاهلي ، نمت وترعرت بعد بازدهار وتدفّق ، حتى شكلت روافد وأنهارا ، تنصب في مصنّفات وكتب تربو على الحصر . وإنما بدأت ، في بذورها الأولى ، تفسيرا لمعاني الشعر الغائمة ، ولم يكن في الحسبان أنها ستصير علما قائما برأسه ، وميدانا للتحليل الفني المديد ، يتتبع الصور الجمالية ، ويفصل توزيع عناصرها ، ويتغمدها بالشرح والتوضيح ، ويقوّم بعض المظاهر والنتائج ، بالاعتماد لمعطيات اللغة والفكر والشعور والخيال ، والمناسبات الاجتماعية والتاريخية . وهكذا اتسع الأفق ، لدى بعض المفسّرين ، حتى أصبحنا منذ منتصف القرن الرابع نصادف التبسّط والإسهاب في التحليل ، وابتغاء الكشف عن العناصر الجزئية والزّوايا الخفية والظلال الموحية . وقد عززت هذه الجوانب ببيان وجوه الشّبه والعلاقات البعيدة والقريبة ، وتحديد الغايات الجمالية الشعورية والفكرية والاجتماعية ، وسرد النظائر والمقاربات والمناقضات ، وتقرير الانطباعات الشعورية والخيالية والحسية ، كالذي لمسناه عند النمري والأعرابي والمرزوقي والمعري وابن سيده . ولا شك أن هذا المحصول في ميدان التحليل ، وذاك النتاج في ميدان التأصيل ، كانا حصيلة تعاون وتبادل للتأثر والتأثير بين المفسرين والبلاغيين والنّقاد . فمن جهود هؤلاء وأولئك وأولالك ، تواكبت مكونات الفهم الجمالي لعناصر البلاغة ، والبيان الحي لصورها النظرية والتطبيقية . فلكل جماعة منهم ، بل لكل فرد فضل في تطوير الآخرين ، لأنه كان يقدم جانبا من الأصول أو المصطلحات أو النماذج أو الإجراءات العملية . وبهذه الحركة المتفاعلة ، استطاع علم البلاغة أن يجد له حياة متطورة متنامية ، في ميادين النظر والتأصيل والتطبيق .