ومع هذا فإن الخطيب التبريزي لم يغفل المحسنات البديعية بشطريها : اللفظي والمعنوي . فهو يستحضر في ذهنه المصطلحات الفنية ودلالاتها ، ثم يتتبع بعض الصور التعبيرية المحيطة بها . إنه يطيل الوقوف أمام قول أبي تمام « 1 » :
جهميّة الأوصاف ، إلّا أنّهم * قد لقّبوها جوهر الأشياء
ليحلل التورية فيه قائلا :
الطائي من وصّاف الخمر . فكأنه قد ذهب مذهب جهم ، لأنّه يجعل الخمر لا فعل لها ، ثم يزعم أنّها أسكرته وشوّقته . فيختلف خبراه عنها في الحال الواحدة . وقوله « جوهر الأشياء » هذا ضرب من صناعة الشعر ، يسميه أصحاب النقد التورية . وذلك أنه ذكر هذه الطائفة من المتكلمين - ومن شأنهم أن يتكلموا في الجوهر والعرض - فأوهم السامع أنه يريد الجوهر الذي يستعمله أصحاب الكلام . وإنما يريد الجوهر الذي هو رونق الشيء وصفاؤه . من قولك : ظهر جوهر الشيء . أي : أن الأشياء ليس لها حسن إلا بالخمر .
ثم يتلمّس أبو زكرياء صنعة المعري ، وبشير إلى توريته البعيدة التي تدخل حيّز الإلغاز . وذلك في تعليقه على البيت التالي « 2 » :
الآن فاله عن الهيجاء ، مغتبطا * طال امتراؤك خلفي نابها الضّبس
بقوله : فإذا روي « نابها » فالمراد بالناب السيف . ولكن السامع ربما سبق وهمه إلى أن الناب ههنا الناب من الإبل . وإذا روي « نابك » ففي البيت ضرب من اللغز .
هامش
( 1 ) ديوانه 1 / 30 - 31 . وانظر شرح اختيارات المفضل ص 1009 .
( 2 ) شروح سقط الزّند ص 702 - 703 . والهيجاء : الحرب . والامتراء : الاستخراج للشيء . والخلف :
ضرع الناقة . والضبس : السيّئ الخلق .