وكان للصور البيانية قصب السبق في هذا المضمار ، إذ تناولها بالتحليل شعراء جاهليون ، وتوالت شذراتها في جميع صفوف المفسرين للشعر ، وكثرت مظاهرها وألوانها . ثم تلتها في التاريخ عناصر المعاني ، بتلوين أضعف وكمية أقل . وأخيرا ظهرت محاولات لتحليل عناصر البديع ، في صورة خافتة محدودة .
وقد ساهم الأدباء والنقاد في هذه الحركة الجمالية ، فكان لهم ظهور وحضور وآثار بالغة . ولعل أبرز من رسم تلك الصورة التاريخية ، وحدّد ألوانها وخطوطها ، هم الأصمعي والجاحظ والمبرد وثعلب وابن المعتز ، والصولي والطبيخي والنمري والعسكري ، والمرزوقي والأعرابي والمعري والشّنتمري والتّبريزي .
ولئن كانت بعض العلوم الإسلامية قد وجدت منطلقا في التفسير للشعر ، وشقت لنفسها سبلا واتجاها فيه تمثل شخصياتها ، إن البلاغة العربية لم تستطع اجتذاب جانب من الشّراح والمصنّفات إلى تشكيل ما يمثلها في نهج أو سبيل ، وعاشت موزعة بين المسارب المختلفة من الشروح . ولكنها مع هذا استطاعت أن تعمق جذورها في صفوف النقدة من شارحي الأشعار ، كالصّولي والعسكري والمرزوقي والمعري ، فإذا صورتها لديهم أوضح وأوسع وأدق .
وقد استطاع هؤلاء وأسلافهم أن يمدّوا البلاغة بالتحليلات الدقيقة أحيانا ، ويصطنعوا مفردات لغوية للتعبير الفني ، أخذت شكل المصطلحات ، كالتشبيه والاستعارة والكناية والتجنيس والمطابقة والتورية . . . غير أن التداول العملي لهذه المصطلحات كان يتّسم أحيانا بالغموض والتداخل والاختلاط ، شأن ما رأيناه لدى الطبيخي وابن السيرافي والمرزوقي والمعري .
ولذلك لجأت الأقلام إلى البحث عن بديل يعم تلك المصطلحات المتقاربة ، فكان أن وقعت على مصطلح المثل ، وجعلته القاسم المشترك بين التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز . وكثيرا ما كانت تلك الأقلام تستخدم لفظ الكناية ومشتقاته ، من
تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 92
مساهمون: فخر الدين قباوة
ص٩٢