أفعال وأسماء ، للدلالة على جزئيات من الصور البيانية وغيرها ، مما لا دخل له في الكناية .
ولا شك أن المجموعات الشعرية تفاوتت في استثارة هذا التحليل ، فكان لبعضها ظهور حيّ ، لأن أصحابها تميّزوا بالعبودية للفن أو التّقصّد للصنعة والبيان ، كزهير بن أبي سلمى ، وامرئ القيس ، وصريع الغواني ، وأبي تمام . فقد تميّزت آثارهم بالغنى الجمالي الذي شدّ أنظار النّقاد والبلاغيين والأدباء ، للتفسير والتحليل والتوجيه .
ومن ثمّ كنت تجد دواوين أولئك الشعراء ، وما اختاره أبو تمام في ديوان الحماسة ، حلبة يكثر فيها التّردّد والتّصاول والتّنافس والسّباق .
وقد رأيت معي أن التحليل البلاغي ، في ميدان التفسير للشعر ، لم يستوعب جميع عناصر علوم البيان والمعاني والبديع . وإنما اقتصر على زمر منها ، أطال حولها الجراء والتدقيق والتفصيل والتوليد ، فكان للعلم الأول النصيب الأوفى ، إذ استنفد كل عناصره العامة ، وللعلم الثاني نصيب متوسط تناول زمرة كبيرة من عناصره ، وللعلم الثالث حظ ضئيل توقف عند القليل من أشكاله .
ثم إن عملية التحليل لم تكن تستوفي جزئيات العنصر الجمالي بالبيان والتوضيح .
بل كانت تمس جانبا منها بالاهتمام والمتابعة ، وتغفل ما تبقى كأن لم يكن . بل إنها كثيرا ما سلطت الأضواء على تعبير فني في البيت ، واستطردت في تحليل آثاره وأبعاده ، وأغفلت في البيت نفسه صورة أو أكثر ، ولم تمسها بشيء من الاهتمام أو الانتباه .
ولعل هذا نشأ عن المنهج العام لشرح الشعر ، في جانبه اللغوي أو التاريخي أو النحوي . . . فقد لبث العلماء يتناولون من البيت الواحد كلمة أو إشارة أو تعبيرا ، ويطيلون حوله البحث والعلاج ، ويغفلون سائر البيت ، وإن كان فيه ما هو أحق بالنظر والدراسة والتحليل .
تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 93
مساهمون: فخر الدين قباوة
ص٩٣