وربما قلّب الخطيب الصورة الفنية على غير وجه ، كالذي يورده في شرح قول سلمة بن الخرشب « 1 » :
هرقن ، بساحوق ، جفانا كثيرة * وأدّين أخرى ، من حقين وحازر
فالضمير في « هرقن » للخيل ، والمراد أصحابها . ومعنى « هرقن جفانا » أنهم قتلوا أربابها ، فعطلت تلك الجفان عن الاستعمال . فكأن الخيل هي التي أراقتها . والحقين :
اللبن الذي حقن في السقاء أي : حبس . والحازر هو الذي قد حدثت فيه حموضة .
وقد فسّر هذا المصراع على وجهين : قال الأصمعي : أشار بالحقين والحازر إلى ترات وضغائن ، كانت قديمة عندهم ، فأدوها أي : أدوا المكافأة عليها . وقال غيره :
أراد : وأدين قوما مأسورين حقنت دماؤهم . فجعل الجفان المملوءة من اللبن ، المصونة من الإراقة ، كناية عن الاستبقاء ، كما جعل الجفان المصبوبة كناية عمن قتل .
ولو قال بدل « أدّين » : « بقّين » لكان الكلام به أشدّ تلاؤما . إلا أنه أراد أن يبين أنهنّ رددن من أبقي عليهم منهم مأسورا . وليس في التبقية دلالة على الرّد والاحتفاظ بعد الأسر . فقوله « وأدين أخرى » أي : جئن بأسرى وغير ذلك . فاللفظ على اللبن ، والمعنى على القوم .
ولا شك أنك لمست سعة المدى الذي يجيل فيه عناصر الصورة في هذا البيت .
فهي تمسّ الاستعارة والمجاز والكناية ، وتجول بين ميادينها ببراعة ونجاح . على أن أبا زكرياء - والحق يقال - كان كأسلافه من الشراح ، يتجوز في التعبير عن الصور الفنية أحيانا ، فيأتي به في غير موضعه . ولذا يذكر في تفسيره استعارة الأقراب للفلاة « 2 » :
هامش
( 1 ) شرح اختيارات المفضل ص 180 . وساحوق : اسم موضع .
( 2 ) المصدر السابق ص 879 . والمرفت : المقطع . والقزع : بقايا الشعر في الرأس .