وكذلك كان شأن المعري . فهو شاعر ناقد له تطلع إلى البيان والجمال ، ويجتذبه المقال الفني الأخّاذ . ولا غرو أنه يتتبع مواطن التجويد في الواقع والذاكرة والخيال .
ومن ذلك أن يعرض لتفسير بيت أبي تمام « 1 » :
بسنّة السّيف ، والحنّاء من دمه ، * لا سنّة الدّين ، والإسلام ، مختضب
فيرى فيه صورة بديعية تكتمل بما يحفظ من روايته ، ويقول :
وبعضهم ينشد : « بسنّة السيف والخطيّ من دمه » . وهو أجود في صحة المقابلة ، لأنه يقابل الدين والإسلام بشيئين ليسا في الحقيقة مختلفين ، إذ كانا في آلة الحرب .
وهو في الرواية الأخرى يقابل الدين والإسلام بالسيف والحناء . وليس الحناء من جنس السيف .
هذه هي حال المحسنات البديعية كما تجلّت حتى القرن الخامس . فقد اتّسع مداها في الكمّ والكيف ، وأصبحنا نصادف شذرات متفوقة في موضوعات مختلفة ، ووقفات متأنية تدقق النظر ، وتفصل الجزئيات والإيحاءات ، وتعقد المقارنة للتقويم بين المتشابهات . ولا شك أن ما تجلى ههنا يملأ شيئا من الفراغ البلاغي ، ويساهم مع عناصر التحليل البياني وتحليل المعاني ، في تقديم صورة كاملة من حياة أشكال الجمال الفني ، وتفسيره وتحليله في شروح الأشعار .
التبريزي والبلاغة في منهجه التكاملي :
رأينا فيما مضى أبعاد حركة التحليل البلاغي ، وسيرورتها مع التاريخ ، من الجاهلية إلى أواخر القرن الخامس . وقد تبدت لنا الخطوط الكبرى ، لمسيرة هذا العمل الأدبي الفني الجمالي الناقد ، فإذا هو ينمو مع الأيام ، وتمتد ظلاله في الزمان والمكان ،
هامش
( 1 ) ديوان أبي تمام 1 / 53 .