تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
والأعلم الشنتمري يفسر مطلع معلقة زهير « 1 » :
أمن أمّ أوفى دمنة ، لم تكلّم * بحومانة الدّرّاج ، فالمتثلّم ؟
بقوله : « يريد : أمن منازل أم أوفى ، أمن ديار أم أوفى دمنة ؟ وهذا الاستفهام توجع ، ولم يكن جاهلا بها ، كما قال الآخر « 2 » :
أمنك برق ، أبيت اللّيل أرقبه * كأنّه في عراض الشّام مصباح ؟
يريد : أمن شقّك ، أي : من ناحيتك ، هذا البرق ؟ وقوله : لم تكلم ، يريد أنه سألها عن أهلها توجّعا منه ، وتذكّرا ، فلم تجبه » . فإذا غادرنا ميدان المعاني في التحليل البلاغي ، وعدنا أدراجنا إلى جهود القدماء نرود ميدان البديع ، رأينا أنفسنا أمام غياب طويل للإشارات القاصدة ، والعبارات الواضحة ، والتفسيرات المفصلة . حتى إذا ظهرت البوادر وانتثرت كانت خافتة نادرة موزعة ، تكاد تضيع في مطاوي البيان والمعاني . ذلك لأن عناصر الجمال البديعية لبثت خفية لدى الأدباء والنّقاد ، ولم يشر إليها أو يتحدث عنها في مصادر القرن الثاني . ولما صدر ديوان صريع الغواني وتلاه ديوان أبي تمام توجهت الأنظار والأقلام إلى تلك الظاهرة الجمالية ، وأصبح الحديث عنها مألوفا في بعض نواحيه . ولذلك رأينا الجاحظ ينثر إشارات بديعية ، ثم يتحدث ابن المعتز ( ت 296 ) عن التجنيس والمطابقة ، وردّ العجز على الصدر ، والالتفات ، وتأكيد المدح بما يشبه الذمّ ، وتجاهل العارف .
هامش
( 1 ) شعره ص 5 . والدّمنة : اثار الناس وما سودوا . والحومانة : المكان الغليظ . والدراج والمتثلم : موضعان بعالية نجد . ( 2 ) العراض : جمع عرض . وهو الناحية .