وفي مجال التحليل البلاغي لدى المفسرين للشعر ، نجد الإشارات المتأخرة . ومن ذلك أن المبرد « 1 » يسرد أبياتا من الشعر ، ويشير إلى ما فيها من الإفراط . ثم إن أبا بكر الصولي ( ت 335 ) يجد في شعر أبي تمام حلبة للصناعة البديعية ، تتناثر فيها المحسنات الكثيرة المتنوعة ، فيقف عند بعضها شارحا أو محلّلا .
وقد يفسر المصطلح البديعي في بيان الصورة الجمالية ، كالذي تراه في هذا البيت « 2 » :
بيض ، إذا انتضيت من حجبها رجعت * أحقّ بالبيض ، أترابا ، من الحجب
من « تجنيس وتصدير . فالتجنيس بيض وبيض . والتصدير : ردّ العجز على الصدر .
قال في النصف الأول : حجبها . ثم قفى بالحجب » .
والمشاكلة اللفظية في بيت أبي تمام « 3 » :
لا تسقني ماء الملام ، فإنّني * صبّ ، قد استعذبت ماء بكائي
يوضحها الصولي أيضا ، بأنه لما « 4 » قال في آخر البيت « ماء بكائي » قال في أوله « لا تسقني ماء الملام » ، فأقحم اللفظ على اللفظ ، إذ كان من سببه . كقول اللّه تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 46 / 14 ] . فالثانية جزاء ، وليست بسيئة . فجاء باللفظ إذ كان من سببه .
هامش
( 1 ) الكامل ص 3 / 108 - 109 .
( 2 ) ديوان أبي تمام 1 / 72 . وانظر منه 1 / 79 . والحجب : جمع حجاب . وهو في الأول للغمد ، وفي الثاني لحجلة المرأة . والبيض الأول للسيوف والثاني للنساء .
( 3 ) نفس المصدر 1 / 22 - 23 .
( 4 ) في المطبوعة : كما .