على أن الصولي لم يكن دقيقا في التعبير عن المحسّنات دائما ، وقد تسمح أحيانا في استخدام المصطلح المناسب . فالمقابلة في هذا العجز ، من قول الشاعر « 1 » :
ومغضب رجعت بيض السّيوف به * حيّ الرّضا ، من رداهم ، ميّت الغضب
هي عند الصولي طباقان : الحي والميت ، والرّضا والغضب .
والإمام المرزوقي يجد في ديوان أبي تمام مرتعا خصبا ، يمدّه بالمحسنات الجمالية ، ويغذي تعطّشه إلى التفسير والتحليل . وهذه مبالغة يجلّيها التصوير وعقد المقارنة الموحية ، يبرزها قول أبي تمام « 2 » :
ألم تر آرام الظّباء كأنّما * رأت بي سيد الرّمل ، والصّبح أدرع ؟
لئن جزع الوحشيّ منها ، لرؤيتي ، * لإنسيّها ، من شيب رأسي ، أجزع
وهذا الذي صاغه الشاعر هو - كما يقول المرزوقي - ما يسميه البلاغيون تصويرا .
وذلك أنه أراد أن يبين نفور صاحبته « 3 » من الشيب المختط بفوديه ، فلم يقنع فيه بعبارة ، ولم يرتض له تناهيا في بيان إشارة ، دون تصويره بما أخرجه إلى العيان ، فقال : اعتبر أيها المخاطب ، وتأمّل آرام الظّباء كيف تصوّرني بصورة ذئب الرمل ، إذا تراءيت لها وقت الصيد ، وعند اختلاط نور الصبح في الظلام ؟ ثم اعلم أنه إذا جزع ظبي الوحش من رؤيتي ذلك الوقت ، ونفر ، فظبي الإنس من رؤية رأسي أجزع وأنفر . أي : يفضل جزع النساء ، وفزعها من شيب رأسي إذا رأينه ، على جزع ظباء الوحش وفزعها ، إذا فاجأتها وقت استشعار الخوف من الصياد . .
هامش
( 1 ) ديوان أبي تمام 1 / 70 . ورجعت به : جعلته .
( 2 ) المصدر السابق ص 322 - 323 . والسيد : الذئب . والأدرع : الذي رأسه أشد سوادا من جسده .
( 3 ) في المطبوعة : صاحبه .