وأبو جعفر النحاس ( ت 338 ) يوجه النداء ، في بيت امرئ القيس « 1 » :
ويوم عقرت ، للعذارى ، مطيّتي * فيا عجبا ، من رحلها المتحمّل !
بقوله : فإن قيل : كيف يجوز أن ينادى العجب ، وهو مما لا يجيب ولا يفهم ؟
فالجواب عن هذا أن العرب إذا أرادت أن تعظم الخبر جعلته نداء . قال سيبويه « 2 » : إذا قلت : يا عجبا ، فكأنك قلت : تعال يا عجب . فإن هذا من إبّانك وأزمانك . فهذا أبلغ من قولك : تعجبت . قال أبو إسحاق : ونظير هذا قولهم : لا أرينّك ههنا . لأنه قد علم أنه لا يعني نفسه . فالتقدير : لا تكوننّ ههنا . فإنه من يكن ههنا أره . قال اللّه ، عزّ وجلّ :
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
فقد علم أنه لا ينهاهم عن الموت ، إذ ليس ذلك إليهم . والتقدير ، واللّه أعلم : اثبتوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت . وكذلك قولك : يا عجبا ، قد علم أنك لا تنادي العجب . فالتقدير : انتبهوا للعجب .
لقد تطاولت وقفة النحاس في هذه النقطة ، حتى شغل بالتقعيد والتأصيل ، وانصرف إلى التمثيل والتنظير ، وراح يلون التفسير والتحليل . وفي هذه السبيل انصبت جهود علماء القرن الرابع وما بعده ، يحللون ويفصلون بشيء من التكثر والاستطراد .
ومن ذلك ما نراه لدى أبي هلال العسكري ( ت 395 ) إزاء بيت للفند الزّمّاني .
فقد خرج هذا الشاعر ، بعد أن شاخ وهرم ، في مدد لبكر بن وائل ، فقالت بكر :
وما يغني هذا العشمة ؟ يسخرون من شيخوخته وهرمه . فقال : تقدمون فتنظرون .
وكان عمرو بن الرقبان التغلبي قتل طفلا من بكر وحمل رأسه على رمح ، فحمل عليه الفند ، فطعنه وخلفه رديف له ، فانتظمهما وقال « 3 » :
هامش
( 1 ) شرح القصائد التسع ص 113 - 114 . والمطية : الناقة .
( 2 ) الكتاب 1 / 320 .
( 3 ) الخزانة 3 / 201 - 202 . واليفن : الشيخ الهرم .