ويبدو ههنا أبو علي المرزوقي ، على دقّة حسّه ولطافة تذوّقه ، قليل الاهتمام بالتعبير الاصطلاحي كما رأيناه من قبل ، في خلط الاستعارة بالتشبيه . فهو يعبر أحيانا عن الاستعارة بألفاظ من الكناية ، كالذي تراه في شرحه قول عبدة بن الطبيب « 1 » :
يزجي عقاربه ، ليبعث بينكم * حربا ، كما بعث العروق الأخدع
فالشاعر يستعير للمكر والفتن صورة العقارب ، بما فيها من الإيذاء والبلاء . أما الشارح فإنه يقول : جعل العقارب كناية عن ألوان شره وأنواع مكره .
هذا مع أنه حلّل كثيرا من الصور الكنائية ، وفصل مواطن الجمال والإبداع فيها ، بصفاء ودقة وبيان . وكذلك كان معاصروه من الشراح ، يتتبّعون هذه الألوان الفنية ، ويطيلون في بسطها وكشف الأبعاد والظلال . فقد تجتمع في العبارة ضروب من الخيال ، تتعاون على إبرازها ، وتتوزع عناصر ما تحمله من بعد في التصوير الكنائي ، فيكون على الشارح أن يرصدها بإمعان وأناة .
هذه ضربة بالسيف أصابت وجه محمد بن عبيد اللّه العلوي ، يمتدحه المتنبي بها ، لأن السيف ارتدّ عنها كليلا متثلما ، فكانت الآثار في خدّه وفي الضربة نفسها بليغة ظاهرة ، وفي وجه الممدوح كناية عن إقدام وبطولة وجهاد ، ورمز توهين للضربة والسيف « 2 » :
أثّر فيها ، وفي الحديد ، وما * أثّر ، في وجهه ، مهنّدها
وقد أوضح ابن سيده ( ت 458 ) هذه المرامي بأن « أثّر فيها مهندها » فيه
هامش
( 1 ) شرح المفضّليات 1 / 181 . ويزجي : يسوق سوقا لينا . والأخدع : عرق ضخم في العنق .
( 2 ) شرح مشكل شعر المتنبي ص 28 - 30 .