استعارة ومجاز غريب ، كأنه توهم الضربة شيئا ماديا يتأثر . ثم قال : بل هو عندي أبلغ ، لأنه إذا أمكنه التأثير في العرض كان له في الجوهر أمكن . لكنه مع ذلك قول شعري . أعني أنه ليس بحقيقة . . . وإنما أراد أن المهند لم يؤثر في وجهه أثرا قبيحا ، لأن وقوع الضربة على الوجه يزين ولا يشين ، لدلالتها على الشجاعة والإقدام . . . فكأن المهند لما وقع على وجهه ، فكان ذلك إشعارا بالإقدام ، لم يؤثر فيه البتّة . فلذلك نفى التأثير في اللفظ نفيا عامّا .
وأبو عبد اللّه الزوزني ( ت 486 ) تتوزعه إيحاءات الكناية بالبياض ، في بيت طرفة « 1 » :
نداماي بيض كالنّجوم ، وقينة * تروح علينا ، بين برد ومجسد
فيحشدها في الشرح ، بأن الشاعر وصف منادميه بالبياض ، تلويحا إلى أنهم أحرار ولدتهم حرائر ، ولم تعرف الإماء فيهم فتورثهم ألوانهن . أو وصفهم لإشراق ألوانهم وتلألؤ غررهم في الأندية والمقامات ، إذ لم يلحقهم ما يعيرون به ، فتتغير ألوانهم لذلك .
أو وصفهم بالبياض لنقائهم من العيوب ، لأن البياض يكون نقيّا من الدرن والوسخ ، أو لاشتهارهم لأن الفرس الأغرّ مشهور فيما بين الخيل .
وفي هذا كله بيان لما وصلت إليه جهود الشراح في تحليل صور الخيال . فقد تطورت مستويات التفسير ، واتسعت آفاقها ، وتعددت وسائلها ، وتبدت معالم التحسس للعنصر الجمالي ، حتى لامس مكامن العمل الفني ، واستوعب ميادين التحديد العلمي للاصطلاح والتعبير والتوجيه ، في أبرز عناصر البيان : التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية .
هامش
( 1 ) شرح المعلقات السبع ص 68 . والقينة : المغنية . والمجسد : الثوب يلي الجسد .