وإن تعتذر بالمحل ، من ذي ضروعها * إلى الضّيف ، يجرح في عراقيبها نصلي
فهو يكني في الشطر الأول عن انقطاع لبنها ، وفي الشطر الثاني عن الذبح ، والأصمعي يفسر ذلك بقوله : اعتذارها للضيف ألّا يرى فيها محتلبا ، من شدة الجدب والزمان .
فإذا كانت كذلك عقرتها .
والكناية عن سرعة نجدة المستغيث ، في بيت سلامة بن جندل « 1 » :
كنّا إذا ما أتانا صارخ فزع * كان الصّراخ له قرع الظّنابيب
عبّر عنه أبو عمرو الشيباني ( ت 206 ) بأنهم « إذا أرادوا أن ينيخوا البعير ، فتعسر عليهم ، ضربوا ظنبو به فيبرك . يقول : إذا أتانا صارخ أنخنا الإبل ، ثم ركبنا » .
ثم جاء أبو العباس المبرد ، وعرض للكناية في كتابه « الكامل » « 2 » ، وبسط فيها ضروبا لغوية وبلاغية ، فأصبحت معروفة لدى بعض المفسرين للأشعار ، مع أنه هو كان كثيرا ما يمر بنماذجها ويفسر معانيها ، دون إشارة إلى الاصطلاح الذي يدل عليها .
فالصورة الفنية في قول الراجز يصف غنما « 3 » :
* أسنمة الآبال في سحابه *
يعرض لها المبرد بالتفسير ، فيفرغها من مراميها البلاغية ، بقوله : « أراد أن ذلك السحاب ينبت ما تأكله الإبل ، فتصير شحومها في أسنتمها » .
إنه ، كما ترى ، يحلل صورة الكناية ، ويرصد أبعادها التي يرمي إليها الشاعر ، مع غياب تام للعبارات الاصطلاحية . وقد بدا هذا الخط نفسه في صنيع من عاصره من الشراح ، أو تأخروا عنه ، مع أنهم لا يجهلون المصطلحات المناسبة .
هامش
( 1 ) ديوانه ص 125 - 131 . وانظر ص 118 - 125 منه .
( 2 ) في 2 / 290 - 293 والموجز في تاريخ البلاغة ص 63 - 64 .
( 3 ) الكامل 3 / 91 .