ولعل هذا يتضح إذا رجعنا إلى قدماء الشراح ، نتلمس ألوان المجاز . وإذ ذاك نرى المجاز العقلي ، يسير بوضوح لدى الأصمعي . فهو يفسر الجملة الأخيرة من بيت ذي الرّمة « 1 » :
فما لام يوما من أخ ، وهو صادق ، * إخاي ، ولا اعتلّت على ضيفها إبلي
بقوله : اعتلت ، أطلق اللفظ على الإبل ، والمعنى على أصحابها . يقول : لم أبخل فأعتذر إلى الضيف .
ومثل هذا التعبير عن المجاز يتكرر كثيرا في مصنفات تفسير الشعر . وأنت معي أن الصورة الفنية لم تختلط ههنا بالتشبيه . ولكنها في الوقت نفسه لم تتلبّس المصطلح العلمي الذي يدل عليها ، ويميزها بدقة ووضوح .
ولذا ترى ابن السكيت يعمّم التعبير ، في تفسير بيت ابن عنمة الضّبّي « 2 » :
فازجر حمارك ، لا يرتع بروضتنا * إذن يردّ ، وقيد العير مكروب
قائلا : « هذا مثل . يقول : ردّ أمرك وشرّك عنا ، ولا تعرض لنا . فإلا تفعل يرجع عليك أمرك مضيقا » . فهو يطلق على الاستعارة اسم المثل « 3 » ، ولا يقرب من استخدام التعبير الفني الذي عرف في ذلك العصر .
وكأن هذا الغموض ، في استخدام التعبير عن الاستعارة ، بقي بين صفوف الشراح في القرن الثالث ، حتى إن أبا عثمان الأشنانداني ( ت 288 ) ليدور حول الصورة الفنية المستعارة المورّى بها ، ويجعلها لغزا من الألغاز .
هامش
( 1 ) الخزانة 1 / 284 - 285 . واعتلت الإبل : قلّت ألبانها .
( 2 ) الخزانة 3 / 579 . والعير : الحمار .
( 3 ) وانظر ديوان سحيم لنفطويه ص 32 - 133 .