والشارح يجعل ذلك استخداما لا يراد به الحقيقة . يقول : أراد بالليث ههنا يزيد بن مزيد ، وكان قائدا لهارون الرشيد في ذلك الزمان ، وإنما يقول ذلك فيه على المدح لا بالحقيقة . وإنما فعل ذلك ليعظمه .
وههنا يعلو كعب المرزوقي أيضا ، كما علا وتميز في ميدان التشبيه . فهو يتداول الاستعارة مرارا ، وقد يقيم مقارنات جمالية بين صورتين . إنه يعلق على بيت أبي تمام « 1 » :
لمّا مخضت الأمانيّ الّتي احتلبوا * عادت هموما ، وكانت قبلها همما
بقوله : استعارة المخض ، لاقترانه بالحلب في الأماني ، أحسن منها في قوله :
حتّى إذا مخض اللّه السّنين لها ، * مخض البخيلة ، كانت زبدة الحقب
وإن كان يحسّنه ثمّ ذكر الزبدة معه أيضا .
وبهذا يتبدّى لنا المدى الذي بلغه تحليل الاستعارة ، لدى شراح الشعر في القرن الخامس . فقد أضحت عناصرها وعلاقات بعضها ببعض حاضرة ، في أذهان عدد من المؤلفين ، يتناولونها بالبحث والتفصيل والاستقصاء ، ويوردونها بعبارات مختلفة ، تبعا لموطنها والنهج الذي يمثلها المصنف والكتاب ، مع شيء من الاختلاط أحيانا .
وإذا تتبعنا صور الكناية ، في تلك المصنّفات ، تبدّى لنا أيضا تطور واضح ، في حياتها التاريخية ، فقد كانت في القرن الثاني معاني لغوية تركيبية تقتضي التفسير ، دون استعانة بالمصطلحات الفنية المحددة . مثال ذلك قول ذي الرّمة ، في وصف ناقته « 2 » :
هامش
( 1 ) ديوانه 1 / 244 .
( 2 ) الخزانة 1 / 284 - 285 .