الشعر القديم ، وأقدم شواهد في كتاب نحوي ، ليضع لها شروحا موجزة وافية ، للصور الجمالية فيها نصيب من البيان والتحليل .
وهذه أبيات زهير المشهورة « 1 » :
تنازعها المها شبها ، ودرّ النّ * حور ، وشاكهت فيها الظّباء
فأمّا ما فويق العقد ، منها ، * فمن أدماء ، مرتعها الخلاء
وأمّا المقلتان فمن مهاة * وللدّرّ الملاحة ، والصّفاء
يورد في تفسيرها قوله :
أي : فيها من المها شبه - وهو حسن العينين - وفيها من الدرّ شبه ، وذلك صفاؤه وملاحته . وأشبهتها الظباء في طول العنق . وأصل المنازعة : مجاذبة الدلو . فضرب مثلا لكل ما أخذ فيه وتشبث به . ومنه التنازع في الحديث . وخصّ درّ النحور لأنّه أملح ما يكون إذا تقلد . والخلاء : الموضع الخالي . وإنما خصّ الظبية به لأنه أراد أنها إذا تفرّدت تجزع ، فتتشوّف وتمدّ عنقها . وذلك أحسن لها . المقلتان : العينان . شبه عينيها بعيني المهاة ، في شدة ابيضاض بياضهما واسوداد سوادهما . وذلك الحور .
وهكذا نصل إلى النصف الثاني من القرن الخامس ، لنرى للتشبيه سوقا رائجة لدى شارحي الأشعار ، فيها المنازع المختلفة ، والاتجاهات المتباينة في التناول والدرس والتحليل . أما ما ذكرناه من اختلاط بين التشبيه والاستعارة في الاصطلاح فقد بدا في نقاط محدودة ، وكان لدى كثير من شراح الشعر وضوح وتمييز . وقد عاشت الاستعارة في مصادر التراث تتردّد بأشكال مختلفة مع ألوان من التميز والاختصاص .
هامش
( 1 ) شعر زهير ص 121 - 122 . وشاكه : شابه . والأدماء : البقرة الوحشية البيضاء .